ابن الجوزي

49

نواسخ القرآن ( ناسخ القرآن ومنسوخه ) ( تحقيق المليباري )

" فمن ألف الترف فينبغي أن يتلطف بنفسه إذا أمكنه ، وقد عرفت هذا من نفسي ، فإني ربيت في ترف ، فلما ابتدأت في التقلل وهجر المشتهى أثر معي مرضًا قطعني عن كثير من التعبد ، حتى إني قرأت في أيام كل يوم خمسة أجزاء من القرآن ، فتناولت يومًا ما لا يصلح فلم أقدر في ذلك اليوم على قراءتها ، فقلت : إن لقمة تؤثر قراءة خمسة أجزاء بكل حرف عشر حسنات ، إن تناوله لطاعة عظيمة ، وإن مطعمًا يؤذي البدن فيفوّته فعل خير ينبغي أن يهجر ، فالعاقل يعطي بدنه من الغذاء ما يوافقه " 1 . فلما بلغ ابن الجوزي رشده شعر بنفسه وبال الترف في طلب العلم ، فقنع باليسير واستسهل الصعاب متحملاً كلّ الشدائد والمحن فهمته في طلب العلم أنسته كل الترف فانكب على طلب العلم - وهو ألذ من كلّ لذيذ - فيقول عن نفسه : " ولقد كنت في مرحلة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل ، لأجل ما أطلب وأرجو . كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث ، وأقعد على نهر عيسى ، فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء ، فكلما أكلت لقمة شربت عليها شربة ، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم " 2 .

--> 1 انظر : صيد الخاطر في فصل الرفق بالبدن ص : 446 . 2 انظر : صيد الخاطر ( 153 ) .