ابن خالوية الهمذاني
64
الحجة في القراءات السبع
قوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ « 1 » يقرأ بالهمز « 2 » ، وتركه فيه ، وفيما ضارعه « 3 » . فالحجة لمن همز : أنه أتى بالكلمة على أصلها ، وكمال لفظها ، لأن الهمزة حرف صحيح معدود في حروف المعجم . والحجة لمن تركه : أنه نحا التخفيف ، فأدرج اللفظ ، وسهّل ذلك عليه سكونها وبعد مخرجها « 4 » ، وكان طرحها في ذلك لا يخل بالكلام ولا يحيل « 5 » المعنى . فإن كان سكونها علامة للجزم ، أو كان تركها أثقل من الإتيان بها أثبتها ، لئلا تخرج من لغة إلى أخرى ، كقوله تعالى : أَوْ نُنْسِها « 6 » . إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ « 7 » . وكقوله : تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ « 8 » . فإن قيل : فإنّ تارك الهمز في « يؤمنون » يهمز الكأس ، والرأس ، والبأس ، فقل : هذه أسماء ، والاسم خفيف ، وتلك أفعال ، والفعل ثقيل ، فهمز لما استخف ، وحذف لما استثقل . ومن القرّاء من يهمز إذا أدرج ولا يهمز إذا وقف ، ويطرح حركة الهمزة على الساكن قبلها أبدا ، فيقرأ إذا وقف : مَوْئِلًا « 9 » : وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ « 10 » . ومِنْهُنَّ جُزْءاً « 11 » لأن هذه الأحرف في السّواد كذلك . فأما قوله : هُزُواً « 12 » وكُفُواً « 13 » . فبالواو ؛ لأنها ثابتة في السّواد . ومنهم أيضا : من يحذف الهمزات ساكنها ، أو متحركها ، وينقل الحركة إلى الساكن
--> ( 1 ) البقرة : 3 . ( 2 ) الجمهور يقرءون بالهمزة ساكنة بعد الياء ، وأبو عمرو ، وورش يحذفان الهمزة ( البحر المحيط : 1 : 4 ) ، ( وغيث النفع في القراءات السبع : 23 ) . ( 3 ) ضارعه : شابهه . ( 4 ) لأن مخرج الهمزة المحققة من المزمار نفسه ، إذ عند النطق بالهمزة تنطبق فتحة المزمار انطباقا تاما ، فلا يسمح بمرور الهواء إلى الحلق ، ثم تنفرج فتحة المزمار فجأة فيسمح صوت انفجار هو ما نعبر عنه بالهمزة . والنطق بالهمزة عمليّة تحتاج إلى جهد عضلي مما يجعل الهمزة أشد الأصوات . ( الأصوات اللغوية د . إبراهيم أنيس : 77 ) . ( 5 ) ولا يحيل المعنى يقال : أحلت الكلام ، أحيله إحالة : إذا أفسدته ( اللسان ) . ( 6 ) البقرة : 106 ( 7 ) المائدة : 101 ( 8 ) الأحزاب : 51 . ( 9 ) الكهف : 58 ( 10 ) الواقعة : 9 . ( 11 ) البقرة : 260 . ( 12 ) البقرة : 67 . ( 13 ) الإخلاص : 4 .