ابن خالوية الهمذاني
49
الحجة في القراءات السبع
ولكن الناقد لم يقتنع بهذا أيضا فيقول : « إن هذه المشابهة أو المقارنة بين النصوص لا تفيد شيئا في الواقع ، ومجرّد إلقاء الباحث نظرة في كتاب الحجّة لأبي علي الفارسيّ المعترف به من الجميع مع مراجعة ما قاله النحويون ، والقراء والمفسرون والمعاصرون ، للفارسي ولابن خالويه يجد أنّ جميع تلك النصوص متشابهة ومتقاربة في المعنى حتى وفي اللفظ في بعض الأحيان ، ومع ذلك التشابه ، والتقارب لا يمكن أن نستدلّ بذلك على إثبات نسبة كتاب معيّن لشخص معيّن بمجرّد التشابه والتقارب » . أقول : كنت أودّ من الزّميل الفاضل أن يذكر لي ، ولو نصا واحدا من هذا التشابه والتقارب المعنويّ أو اللفظي كما ذكر . يا سيدي . . . لقد علمتنا كتب التراث أمانة النقل فإذا رجع مفسّر من المفسرين أو النحويين أو القراء إلى حجة أبي عليّ مثلا ، فإنه لا ينقل نصوصا متقاربة المعنى أو متشابهة اللفظ إلا بعد أن يذكر قوله : ( وقال الفارسيّ في الحجة ) أما أن يعتدي على المعاني ، ويكسوها ألفاظا من عنده فهذه سرقة لا تليق بعالم يعتدّ بقوله . ومن وقع فيها شهّر به ، وسخر منه ، والروايات على ذلك عديدة . والمعاني يا سيدي ليست مطروحة على الطريق ، وإنما هي نتيجة كدّ الذهن ، وإعمال الفكر ، وبذل الطاقة ، والاطّلاع الواسع والإلهام المبدع . كيف تتقارب المعاني ، ولكل مفسر منهجه وطريقته ولكل كتاب من كتب القراءات في الاحتجاج وغيره أسلوبها الخاصّ ، وطريقتها الخاصة ؟ نعم إن النقول قد تعدّدت في كتب التراث ، ولكنها نقول لها مصادر معروفة ، وأشخاص معروفون صدرت عنهم ، ونقلت منهم ، ولا يصحّ التصرف فيها بالتغيير أو التبديل . وما عدا ذلك ففردية في الطّريقة ، وفي المنهج وفي الأسلوب ، وإلا كان تكرارا أو سطوا وكلاهما لا يليق بأولي العلم والمعرفة ، هذا في مجال المعاني فما بالك في مجال تشابه اللّفظ . أظنّ أنّ توافق الخواطر قد يحدث في جملة أو كلمة أمّا أن يحدث في نصّ تتعدّد سطوره فذلك أمر لا يقبله المنطق . وقد ذكرت يا سيدي تشابه أسلوب ابن خالويه في كتاب الحجّة بأساليبه في كتبه الأخرى ، لأن المؤلف واحد ، والعقل واحد ، والأسلوب واحد ، وطريقة التفكير واحدة . وقد بيّنت أنّ في الحجة من كتاب « إعراب ثلاثين سورة » نصوصا بألفاظها ومعانيها ، وأن في الحجة من كتاب « الريح » نصوصا بألفاظها ومعانيها ، وقد سجلت ذلك في بحثي المنشور في مجلة اللسان العربي » نفس العدد الذي ذكر فيه نقد الأستاذ الفاضل . ألا يكفي هذا دليلا واضحا على أنّ الحجة لابن خالويه لا لغيره .