عبد القاهر الجرجاني
8
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
كالنّاسِبِ الذي يَنْميها إِلى أُصولها ، ويُبَيِّنُ فاضلَها من مَفضولِها ، فجعَلتْ تُظهر الزهدَ في كلِّ واحدٍ منَ النَّوعين ، وتطرحُ كلاً منَ الصِّنفين ، وترى التشاغلَ عنهُما أولى منَ الاشتغالِ بهما ، والإعراضَ عن تدبُّرهما أصوبَ منَ الإِقبالِ على تعلمهما . ذمهم للشعر : 5 - أما الشعرُ فَخُيِّلَ إليها أنه ليسَ فيه كثيرُ طائلٍ 1 ، وأنْ ليس إِلا مُلْحةً أو فكاهة ، أو بكاءَ منزلٍ أو وصْفَ طلَلٍ ، أو نعْتَ ناقةٍ أو جَمل ، أو إسرافَ قولٍ في مدحٍ أو هجاءٍ ، وأنه ليسَ بشيءٍ تَمسُّ الحاجةُ إِليه في صلاحِ دينٍ أو دنيا . ذمهم للنحو : 6 - وأما النّحوُ ، فَظَّنتْه ضرْباً منَ التكلُّف ، وباباً من التعسُّفِ ، وشيئاً لا يَستند إِلى أصلٍ ، ولا يعتمد يه على عقلٍ ، وأنَّ ما زادَ منه على معرفةِ الرَّفعِ والنَّصبِ وما يتصلُ بذلك مما تجده في المبادئ ، فهو فضلٌ لا يُجْدي نفعاً ، ولا تَحصل منه على فائدةٍ ، وضَرَبُوا له المثَل بالمِلْح كما عرفت ، إِلى أشباهٍ لهذه الظُّنونِ في القَبِيلَيْن ، وآراءٍ لو عَلموا مَغبَّتَها وما تقودُ إِليه ، لتعوَّذوا باللهِ منها ، ولأنِفُوا لأنفُسهم منَ الرضا بها ، وذاك لأنَّهم بإِيثارِهم الجهلَ بذلك على العِلم ، في معنى الصادِّ عن سَبيلِ الله ، والمُبتغي إطفاءَ نور الله تعالى . منزلة الشعر والنحو من إعجاز القرآن : 7 - وذاك أنَّا إذا كنَّا نَعلم أنَّ الجهةَ التي منها قامَتِ الحجةُ بالقُرآنِ وظهرتْ ، وبانَتْ وبَهرت ، هيَ أنْ كانَ على حَدٍّ منَ الفَصاحةِ تقصرُ عنه قُوى البشرِ ، ومُنْتهياً إِلى غايةٍ لا يُطمَح إِليها بالفِكر ، وكان مُحالاً أن يَعرف كونَه كذلك ، إِلا مَنْ عَرفَ الشعرَ الذي هو ديوانُ العَرب ، وعنوانُ الأدب ،
--> 1 في " س " : " كبير طائلي " .