عبد القاهر الجرجاني

9

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

والذي لا يُشك أنه كانَ ميدانَ القومِ إِذا تجارَوْا في الفَصاحة والبيان ، وتنازَعوا فيهما قَصَبَ الرَّهان ، ثم بَحث عنِ العِلل التي بها كانَ التباينُ في الفَضْل ، وزادَ بعضُ الشعر على بعضٍ 1 كان الصادُّ عن ذلك صادَّاً عن أَن تُعرَف حجةُ الله تعالى ، وكان مَثلُه مَثلَ مَن يتصدَّى للنّاسِ فيمنعُهم عَن أنْ يحفظوا كتابَ الله تعالى ويقوموا به ويتلوه ويقرِئُوه ، ويصنعُ في الجملةِ صَنيعاً يؤدِّي إِلى أَنْ يَقلَّ حفَّاظُه والقائمونَ به والمُقرئون له . ذاك لأنَّا لم نتعبَّدْ بتلاوتِه وحِفْظه ، والقيامِ بأَداء لفظهِ على النَّحو الذي أُنزل عليه ، وحراستِه من أن يُغَيَّر ويُبدَّل ، إلاَّ لتكونَ الحِجةُ بهِ قائمةً على وجهِ الدَّهر ، تُعرَف في كل زمانٍ ، ويتوصَّلُ إِليها في كلَّ أَوان ، ويكونُ سبيلُها سبيلَ سائرِ العلوم التي يَرويها الخلَفُ عن السَّلف ، ويأَثُرُها الثاني عن الأول ، فمَنْ حال بيننا وبين ما له كانَ حفْظُنا إيْاهُ ، واجتهادُنا في أن نؤدِّيَه ونَرعاه ، كَان كَمن رامَ أن يُنْسيناه جُملةً ويُذْهبه من قلوبنا دَفعةً ، فسواءٌ مَنْ منَعكَ الشيءَ الذي تنتزع منه الشاهدُ والدَّليلُ ، ومَنْ منعَكَ السبيلَ إِلى انتزاعِ تلك الدَّلالةِ ، والاطَّلاعِ على تلك الشَّهادةِ ، ولا فرقَ بينَ مَن أعدمَك الدواءَ الذي تَسْتَشفي به من دائَك ، وتَسْتبقي به حشاشةَ نَفْسك ، وبينَ مَن أعدمَكَ العلْمَ بأنَّ فيه شفاءً ، وأن لك فيه استبقاء . الرد على حجج المعتزلة في الإعجاز : 8 - فإِنْ قال منهُم قائلٌ : إِنّك قد أغْفلتَ فيما رتَّبْت ، فإنَّ لنا طريقاً إِلى إِعجازِ القرآنِ غيرَ ما قلتَ ، وهو عِلْمُنا بعَجْز العرَب عن أن يأتوا بمثلِه وتَرْكِهم أن يعارضُوه ، مع تكرارِ التّحدَّي عليهم ، وطولِ التقَّريع لهم

--> 1 سياق الكلام من أول الفقرة : " وذاك أبا إذاكنا نعلم . . . . كان الصاد عن ذلك . . . " .