عبد القاهر الجرجاني

70

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

ترجيح الكناية والاستعارة والتمثيل على الحقيقة : فصل في الكناية والاستعارة والتمثيل : 63 - قد أَجمعَ الجميعُ على أن " الكنايةَ " أَبْلَغُ منَ الإفصاحِ ، والتعريضَ أَوْقَعُ من التَّصريح ، وأنَّ للاستعارةِ مزيةً وفَضلاً ، وأنَّ المجازَ أَبداً أبلَغُ منَ الحقيقة ، إلا أَنَّ ذلك ، وإِن كان معلوم ًا على الجُملة ، فإِنّه لا تَطمئنُّ نفْسُ العاقلِ في كُلَّ ما يُطْلَبُ العلمُ بِه حتى يَبْلُغَ فيه غايتَه ، وحتى يُغْلِغِلَ الفكْرَ إلى زواياهُ ، وحتى لا يَبْقى عليه مَوضعُ شبهةٍ ومكان مسئلة . فنحن وإنْ كنَّا نَعْلم أَنك إذا قلْتَ : " هو طويلُ النِّجاد ، وهو جَمُّ الرماد " ، كان أَبْهى لِمَعْناك ، وأَنْبلَ مِن أَن تَدَعَ الكنايةَ وتُصرِّح بالذي تُريدُ . وكَذا إذا قلتَ : " رأيتُ أسداً " ، كان لِكلامِكَ مزيةٌ لا تكونُ إذا قلتَ : رأيتُ رجلاً هو والأسدُ سواءٌ ، في معنى الشجاعةِ وفي قوةِ القلب وشدةِ البطش وأشباهِ ذلك . وإِذا قلتَ : " بَلَغني أنك تُقَدِّمُ رِجْلاً وتُؤخِّر أخرى " ، كان أَوْقَعَ من صَريحه الذي هو قولُك : بَلغني أنك تَتردَّد في أَمرك ، وأنك في ذلك كمَن يقولُ : أَخرجُ ولا أخرج ، فتقدم رجلًا وتؤخر أُخرى 1 ونَقْطعُ على ذلك حتى لا يُخالجُنا شكٌّ فيه 2 فإنَّما تَسْكُنُ أَنفُسُنا تمامَ السكونِ ، إذا عرَفْنا السببَ في ذلك والعلَّةَ ، ولِمَ كان كذلك ، وهيأْنا له عبارةً تُفْهمُ عنا مَن نُريد إفهامَه . وهذا هو قولٌ في ذلك 3 :

--> 1 السياق : " فنحن وإنْ كنَّا نَعْلم أَنك إذا قلْتَ . . . . كان أوقع من صريحه . . . . ونقطع على ذلك " . 2 جواب الشرط ، والسياق : " فنحن وإن كنا نعلم . . . . فإنما نسكن أنفنسا " . 3 في المطبوعة وحدها : " , هذا هو القول . . . " .