عبد القاهر الجرجاني

71

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

64 - إعْلَمْ أنَّ سبيلك أَولاً أَنْ تَعْلَم أنْ ليستِ المزيةُ التي تُثْبتها لهذه الأجناس عَلَى الكلام المتروكِ على ظاهرِه ، والمبالغةُ التي تدَّعى لها 1 في أنفسِ المعاني التي يَقْصِدُ المتكلمُ إليها بخَبَره ، ولكنها في طريق إثباتهِ لها وتقريرِه إياها . تفسيرُ هذا : أنْ ليس المعنى إذا قلنا : " إن الكنايَة أبْلغُ منَ التَّصريح " ، أَنك لمَّا كنَّيْتَ عن المعنى زدْتَ في ذاته ، بل المعنى أَنك زِدْتَ في إثباتهِ ، فجَعلْتَه أبلغَ وآكَدَ وأَشَدَّ . فليستِ المزيةُ في قولهم : " جَمُّ الرماد " ، أنّهُ دلَّ على قِرًى أكثرَ ، بل المعنى إنك أَثبتَ له القِرى الكثيرَ من وجهٍ هو أَبلغُ ، وأوجَبْتَه إيجاباً هو أَشدُّ ، وادَّعيْتَه دَعْوى أنتَ بها أَنْطَقُ ، وبِصِحَّتها أَوْثَقُ . وكذلك ليستِ المزيةُ التي تَراها لقولك : " رأيتُ أسداً " على قولك : رأيتُ رجلاً لا يتميزُ عن الأَسد في شجاعته وجُرأته أنك قد أَفدْتَ بالأول زيادة في مساواته الأسد ، بل أن أَفَدْتَ تأكيداً وتشديداً وقوةً في إثباتك له هذه المساواةَ ، وفي تقريرِكَ لها 2 . فليس تأثيرُ الاستعارةِ إذن في ذاتِ المعنى وحَقيقَتِه ، بل في إيجابهِ والحُكْم به . 65 - وهكذا قياسُ " التمثيل " ، تَرى المزيةَ أبداً في ذلك تَقعُ في طريقِ إثباتِ المعنى دون المعنى نَفْسِه . فإِذا سمعْتَهُم يقولون : إنَّ مِنْ شأنِ هذه الأجناسِ أنْ تُكسِبَ المعاني نبلًا وفضل ًا ، وتُوجِبَ لها شَرَفاً ، وأن تُفخِّمها في نفوسِ السامعين ، وتَرْفَع أَقْدارَها عند المخاطَبِين ، فإِنّهم لا يُريدون الشَّجاعةَ والقِرى وأشباهَ ذلك مِنْ مَعاني الكَلِم المُفْردةِ ، وإنما يَعْنون إثباتَ معاني هذه الكلم لمن ثبت له ويخبر بها عنه .

--> 1 السياق : " أن تعلم أن ليست المزية . . . في أنفس المعاني . 2 في المطبوعة : " بل أنك أفدت . . . " .