عبد القاهر الجرجاني

7

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

والبراعةَ فلا يَعرف لها معنىً سوى الإِطْنابِ في القول ، وأنْ يكونَ المتكلمُ في ذلك جهيرَ الصَّوْت ، جاريَ اللسان ، لا تَعترضه لُكْنه ، ولا تقفُ بهِ حُبْسة 1 ، وأنْ يَستعمل اللفظَ الغريبَ ، والكلمةَ الوَحشيَّةَ ، فإِنِ اسْتظهرَ للأَمر وبالغَ في النظر ، فأَنْ لا يُلْحِنَ فيرفع في موضع النصب ، أو يُخطئَ فيَجيء باللفظةِ على غيرِ ما هيَ عليه في الوَضْعِ اللُّغويِّ ، وعلى خلافِ ما ثَبتتْ به الروايةُ عنِ العرب . وجملةُ الأمر أنَّه لا يَرى النقصَ يَدْخلُ على صاحبهِ في ذلك 2 إلا من جهةِ نقصِه في علم اللغة ، لا يعلم أن ههنا دقائق وأسرار طريق العلم بها الروية والفكر ، لطائف مُسْتقاها العَقلُ ، وخصائصَ معانٍ ينفردُ بها قومٌ قد هُدُوا إليها ، ودُلُّوا عليها ، وكُشِف لهم عنها ، ورُفعتِ الحُجُب بينَهُم وبينَها 3 ، وأنها السَّببُ في أنْ عرضتِ المزيَّةُ في الكلامِ ، ووجبَ أن يفضُلَ بعضُه بعضاُ ، وأن يبعدَ الشأوُ في ذلك ، وتمتدَّ الغايةُ ، وَيعلوَ المُرتقَى ، ويعزَّ المطلبُ ، حتى ينتهيَ الأمرُ إلى الإعجازِ ، وإلى أن يخرج من طوق البشر . من ذم الشعر وعلم الإعراب : 4 - ولمَّا لم تعرفْ هذه الطائفةُ هذهِ الدقائقَ ، وهذهِ الخواصَّ واللطائفَ ، لم تَتعرضْ لها ولم تَطلبها ، ثمَّ عَنَّ لها بسوء الاتفاقِ رأيٌ صارَ حجازاً بينَها وبينَ العلم بها 4 ، وسَدّاً دونَ أن تصلَ إِليها وَهوَ أَنْ ساءَ اعتقادُها في الشَّعر الذي هو مَعْدنها ، وعليه المعوَّلُ فيها ، وفي علمِ الإِعرابِ الذي هو لها

--> 1 " الحبسة " ، بالضم ، اسم احتباس الكلام أي تعذره عنده إرادته . و " اللكنة " ، العي والعجز عن القول . 2 في " س " " في ذلك الأمر " . 3 في " ج " و " س " : و " رفع الحجب " . 4 في " س " : " حجابًا " مكان " حجازًا " .