عبد القاهر الجرجاني

62

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

عليك أن تُوفِّقَ بين مَعاني تلكَ الأَلفاظِ المسجَّعة وبين مَعاني الفُصول التي جُعلتْ أردافاً لها ، فلم تَسْتطعْ ذَلك إلاَّ بعد أن عَدلْتَ عن أسلوبٍ إلى أسلوبٍ ، أوْ دخلْتَ في ضرْبٍ منَ المجازِ ، أو أخذْتَ في نوعٍ منَ الاتِّساع ، وبعد أن تَلطَّفْتَ على الجملةِ ضَرباً منَ التلطُّف . وكيف يُتَصوَّرُ أنْ يَصعُبَ مرامُ اللفظِ بسببِ المعنى ، وأنتَ إن أردْتَ الحقَّ لا تَطْلبُ اللفظَ بحالٍ ، وإنَّما تَطْلبُ المعنى ، وإِذا ظفِرْتَ بالمَعنى ، فاللفظُ معكَ وإزاءَ ناظرِك ؟ وإِنما كان يُتَصوَّرُ أن يصْعُبَ مَرامُ اللفظِ من أجلِ المعنى ، أنْ لو كنتَ إذا طلبْتَ المعنى فحصَّلْتَه ، احتجْتَ إلى أن تَطْلبَ اللفظَ على حِدَة . وذلك مُحَال . 53 - هذا ، وإِذا توهَّمَ متوهِّمٌ أَنَّا نحتاجُ إلى أنْ نَطْلبَ اللفظَ ، وأنَّ مِن شأْن الطلبِ أنْ يكونَ هناك ، فإنَّ الذي يتَوَّهم أنَّهُ يَحتاج إلى طَلَبه ، هو ترتيبُ الألفاظ في النطق لا مَحالة , . وإذا كان كذلك ، فينبغي لنا أنْ نَرْجِع إلى نفوسِنا فنَنْظر : هل يُتَصوَّر أن نُرتِّب مَعاني أسماءٍ وأفعالٍ وحروفٍ في النفس ، ثم يَخْفى علينا مواقِعُها في النطق ، حتى نحتاج في ذلك إلى فكْرٍ ورويَّةٍ ؟ وذلك ما لا يَشكُّ فيه عاقلٌ إِذا هو رَجَعَ إِلى نفسهِ . وإِذا بطَلَ أنْ يكونَ ترتيبُ اللفظ مطلوبًا بحال ، لم يكنِ المطلوبُ أبداً إلا ترتيبُ المعاني ، وكان معوَّلُ هذا المخالفِ على ذلك ، فقد اضمحلَّ كلامُه ، وبانَ أنه ليس لِمنْ حامَ في حديثِ المزيةِ والإعجازِ حَوْل " اللفظِ " ، ورامَ أنْ يجعلَه السببَ في هذه الفضيلةِ ، إِلا التسكُّعُ في الحَيرة ، والخروجُ عن فاسدٍ منَ القول إلى مثلهِ . واللهُ الموفِّق للصَّواب . 54 - فإنْ قيل : إذا كانَ اللفظُ بمَعْزِلٍ عنِ المزيَّةِ التي تنازعْنا فيها ، وكانت