عبد القاهر الجرجاني
6
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
لساناً يَحُوك الوشيَ ، ويصَوغ الحَلْيَ ، وَيلفِظ الدرَّ ، وينفثُ السِّحرَ ، ويَقْري الشَّهْدَ 1 ، ويُريكَ بدائعَ منَ الزهر ، ويحنيك الحلو اليانع من التمر ، والذي لولا تحفيه بالعوم ، وعنايتهِ بها ، وتصويرهُ إياها ، لبقيتْ كامنةً مستورة ، ولمَا استبنْتَ لها يدَ الدهرِ صورةً 2 ، ولاستمرَّ السِّرارُ بأهلَّتها 3 ، واسْتَولى الخَفَاءُ على جُملتِها ، إلى فوائدَ لا يُدركها الإحصاءُ ، ومحاسنَ لا يَحْصرُها الاستقصاء . ما لحق علم البيان من الضيم والخطأ : إلاَّ أنك لن تَرى على ذلك نوعاً من العلم قد لقيَ من الضَّيْم ما لَقِيَهُ ، ومُنيَ مِنَ الحَيْف بِما مُنِيَ به 4 ، ودَخلَ على الناسِ منَ الغلَط في مَعْناهُ ما دخَلَ عليهم فيهِ ، فقد سبقتْ إلى نُفوسهم اعتقاداتٌ فاسِدةٌ وظنونٌ رديَّةٌ ، ورَكبهُم فيه جهلٌ عظيمٌ وخطأٌ فاحشٌ ، تَرى كثيراً منهم لا يَرى له معنىً أكثرَ ممَّا يرَى للإشارةِ بالرأس والعين ، وما يَجدُه لِلخط والعَقْد 5 ، يقولُ : إنَّما هو خبرٌ واستخبارٌ ، وأمْر ونهيٌ ، ولكلِّ مِن ذلك لفظٌ قد وُضع له ، وجُعل دليلاً عليه ، فكلُّ مَنْ عَرفَ أوضاعَ لغةٍ منَ اللغات ، عربيةً كانت أو فارسية ، وعرَفَ المغْزى من كلَّ لفظةٍ ، ثم ساعدَه اللسانُ على النُّطق بها ، وعلى تَأديةِ أجراسِها وحُروفِها ، فهو بيِّن في تلك اللّغةِ ، كاملُ الأداةِ ، بالغٌ منَ البيانِ المبلغَ الذي لا مزيدَ عليه ، مُنْتَه إلى الغايةِ التي لا مذهبَ بعدها يسمع الفصاحة والبلاغة
--> 1 " يقريه " ، يجمعه . 2 يقولون : " لا أفعله يد الدهر " ، أي لا أفعله أبدًا . 3 " السرار " بالكسر ، اختفاء القمر في آخر ليلة في الشهر . 4 " مني " ، ابتلى وأصيب . 5 يريد بالعقد التفاهم بعقد الأصابع