عبد القاهر الجرجاني
5
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
آلتْ ولا شيءَ أحْشدُ للذَّمِّ على صاحبِها منها 1 . ولا شَيْنَ أشَيْنُ مِن إعمالِه لها 2 . 2 - فهذا من فضلِ العلم لا تَجد عاقلاً يُخالفك فيه ، ولا تَرى أحداً يدَفعُه أو يَنْفيهِ ، فأمَّا المفاضلةُ بينَ بعضِه وبعضٍ ، وتقديمُ فنٍّ منهُ على فَنّ ، فإنَّك تَرى الناسَ فيه على آراءٍ مُختلفة ، وأهواءٍ مُتعادية ، تَرى كُلاًّ منهم لِحُبِّه نفسَه ، وإيثارهِ أن يَدْفعَ النقصَ عنها ، يُقدِّم ما يُحْسِن من أنواعِ العلمِ على ما لا يُحْسِن ، ويحاولُ الزِّرايةَ على الذي لم يَحْظَ به 3 والطعنَ على أهلهِ والغَضَّ منهم . ثم تتفاوتُ أحوالهُم في ذلك ، فمِن مغمورٍ قد استهلكَهُ هَواهُ ، وبَعُدَ في الجَوْر مَداه ، ومِنْ مُترجِّح فيه بينَ الإِنصافِ والظُّلمْ 4 ، يجورُ تارة ويَعْدل أخرى في الحُكْم ، فأمَّا مَن يَخلُص في هذا المعنى من الحَيْف حتى لا يقضيَ إلاّ بالعدلِ ، وحتى يَصْدُر في كلَّ أمرِه عنِ العقلِ ، فكالشّيءِ الممتنعِ وجودُه . ولم يكنْ ذلك كذلك ، إلاَّ لِشَرفِ العِلم وجليلِ محلِّه ، وأنَّ محبَّتَه مركوزةٌ في الطِّباع ، ومُرَكَّبة في النُّفوس ، وأن الغَيْرة عليه لازمةٌ للجِبِلَّة ، وموضوعةٌ في الفِطرة ، وأنه لا عيبَ أعيْبُ عندَ الجميعِ مِن عَدَمه ، ولا ضَعةَ أوْضعُ من الخلُوِّ عنه ، فلم يُعادَ إذن إلا من فَرْط المحبةَّ ، ولم يُسمح به إلا لشدة الضن . علم البيان : 3 - ثم إنك لا تَرى عِلْماً هو أرسَخُ أصلاً ، وأَبْسَق فَرعاً ، وأَحلى جَنىً ، وأَعذبُ ورْداً ، وأكرمُ نِتاجاً ، وأنْورُ سراجاً ، مِن عِلْم البَيان ، الذي لولاه لم تر
--> 1 " أحشد " اسم تفضيل من " الحشد " ، وهو الجمع . 2 في المطبوعة : " ولا شيء أشين " ، و " الشين " ، العيب . 3 " زرى عمله عليه يزريه زراية وزريًا " ، عابه عليه . 4 " المترجح " ، المتذبذب بميل مرة إلى هنا ثم إلى هنا .