عبد القاهر الجرجاني

44

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

وإِذا كان هذا كذلك ، فينبغي أن يُنظَر إلى الكلمةِ قبلَ دخولها في التأليف ، وقبلَ أنْ تصيرَ إلى الصورة التي بها يكونُ الكَلِمُ إخباراً وأمْراً ونَهياً واستخباراً وتعجباً ، وتؤدِّيَ في الجملة معنًى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلاَّ بضَمِّ كلمةٍ إلى كلمةٍ ، وبناءِ لفظةٍ على لفظةٍ 1 هل يُتَصوَّر أن يكونَ بين اللفظتين تَفاضُلٌ في الدَّلالة حتى تكونَ هذه أدلَّ على معناها الذي وُضعتْ له من صاحبتها على ما هيَ موسومةٌ به 2 ، حتى يقالَ إنَّ " رجلاً " أدلُّ على معناه مِنْ " فرسٍ " على ما سُمِّي به وحتى يتصور في الاسمين يوضعان لشيءٍ واحد 3 ، أن يكونَ هذا أحْسَنَ نَبأً عنه وأَبْيَن كَشْفاً عن صورتِه مِنَ الآخر ، فيكونُ " الليثُ " مثلاً أدلَّ على السَّبُع المعلوم مِنَ " الأَسد " وحتى إنَّا لو أردنا الموازنةَ بينَ لغتينِ كالعربيةِ والفارسيةِ ، ساغَ لنا أَن نَجْعل لفظةَ " رجلٍ " أَدلَّ على الآدميَّ الذكَر من نظيرهِ في الفارسية ؟ وهَلْ يقع في وَهْم وإنْ جُهِد ، أن تتفاضلَ الكلمتانِ المُفردتان ، مِنْ غيرِ أن يُنظَر إلى مكانٍ تقعانِ فيه منَ التأليِف والنظمِ ، بأكثرَ من أن تكونَ هذهِ مألوفةً مستعملةً ، وتلك غريبةً وحشية ، أو أن تكونَ حروفُ هذهِ أَخَفَّ ، وامتزاجُها أَحسنَ ، ومما يَكُدُّ اللسانَ أَبْعَدَ ؟ وهل تَجد أحداً يقولُ : " هذه اللفظةُ فصيحةٌ " ، إلاَّ وهو يعتبرُ مكانَها منَ النظم ، وحسنَ مُلائمةِ معناها لمعاني جاراتها ، وفضل مؤانستها لخواتها ؟

--> 1 السياق : " فينبغي أن يُنظَر إلى الكلمةِ قبلَ دخولها في التأليف . . . . . هل يتصور . . . " . 2 في " س " : " مرسومة " . 3 في المطبوعة : الاسمين الموضوعين " ، وفي الهامش أن في نسخة " يوضعان " .