عبد القاهر الجرجاني
45
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
وهل قالوا : " لفظةٌ متمكَّنةٌ ، ومقبولةٌ " ، وفي خلافهِ : " قلقة ، ونابية ، ومستكرهة " ، إلا وغضرهم أن يعبروا ببالتمكن عن حسنِ الاتفاقِ بينَ هذه وتلك مِن جهةِ معناهُما ، وبالقَلَقِ والنُّبوِّ عن سوء التَلاؤم ، وأنَّ الأولى لم تَلِقْ بالثانية في مَعناها ، وأن السابقَةَ لم تصلُحْ أن تكونَ لِفْقاً للتالية في مؤادها ؟ 1 36 - وهل تشكُّ إِذا فكَّرْت في قولهِ تعالى { وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [ هود : 44 ] ، فتَجلَّى لك منها الإعجازُ ، وبَهَركَ الذي تَرى وتَسْمَعُ 2 أَنك لم تَجد ما وَجَدْتَ منَ المزية الظاهرة ، والفضيلة القاهرة ، إلا لمر يَرجعُ إلى ارتباطِ هذه الكَلِم بعضِها ببعضٍ ، وأن لم يَعرِضْ لها الحُسْنُ والشرفُ إلاَّ مِنْ حيثُ لاقَتْ الأُولى بالثانية ، والثالثة بالرابعة ، وهكذا ، إلى أن تستقريَها إلى آخِرها وأنَّ الفضلَ تَناتَجَ ما بينها ، وحصَل من مجموعها ؟ 37 - إن شكَكْتَ ، فتأملْ : هل ترى لفظة منها بحيثُ لو أُخِذَتْ من بين أَخواتها وأُفردتْ ، لأَدَّت منَ الفصاحة ما تُؤدِّيه وهي في مكانها منَ الآية ؟ قُل : " إبلَعي " ، واعتبرْها وحْدَها من غيرِ أن تَنْظُرَ إلى ما قَبْلَها وما بعدَها ، وكذلك فاعتبرْ سائرَ ما يليها . وكيفَ بالشكَّ في ذلك ، ومعلومٌ أنَّ مبْدَأ العظمةِ في أن نُوديت الأرضُ ، ثم أُمرَتْ ، ثم في أن كان النداء " بيا " دُوْنَ " أيّ " ، نحوُ " يا أيتها الأرضُ " ، ثم
--> 1 " اللفق " الشقة من شقتي الملاءة ، وهما " لفقان " ، ما داما متضأمين ، فإذا فتقت خياطة الملاءة لا يسميان " لفقين " ، ويطلق اسم " اللفقين " ، على الصاحبين المتلازمين . 2 " أنك " ، معفول " تشك " .