عبد القاهر الجرجاني
4
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
راجَ عنه القولُ أن يكونَ قد خلَط فيه ، ولم يُسدَّدْ في معانيه ، ونَستأنفُ الرغبةَ إليهِ عزَّ وجل في الصَّلاة على خَيْر خَلْقه ، والمُصطفى مِن بَريَّته ، محمّدٍ سيّدِ المُرسلينَ ، وعلى أصحابهِ الخُلفاءِ الراشدين ، وعلى آلهِ الأخيارِ من بعدهم أجمعين . بيان فضل العلم : 1 - وبعدُ فإنَّا إذا تصفَّحْنا الفضائلَ لنَعرفَ منازلَها في الشَّرف ، ونتبيَّنَ مواقِعَها مِن العِظَم ؛ ونَعلم أيٌّ أحقٌّ منها بالتّقَديم ، وأسبقُ في استيجابِ التعَّظيم ، وجَدْنا العِلمَ أَولاها بذلك ، وأوَّلُها هنالك ؛ إذ لا شَرفَ إلاَّ وهو السّبيلُ إليه ، ولا خيرَ إلاَّ وهو الدَّليلُ عليه ، ولا مَنْقَبةَ إلاَّ وهو ذُروتها وسَنامها ، ولا مَفْخرةَ إلاَّ وبهِ صحَّتُها وتمَامُها ، ولا حسنةَ إلاَّ وهو مِفتاحُها ؛ ولا مَحْمَدةَ إلا ومنه يَتَّقدُ مصباحُها ، وهو الوفيُّ إذا خانَ كلُّ صاحبٍ ، والثقةُ إذا لم يُوثَق بناصحٍ ، لولاهُ لَما بانَ الإنسانُ من سائِرِ الحيوانِ إلا بتخطيط صُورتِه ، وهيئةِ جسمِهِ وبُنيته ، لا ، ولا وجَدَ إلى اكتسابِ الفضلِ طريقاً ، ولا وجَد بشيءٍ منَ المحاسنِ خليقاً . ذاكَ لأنَّا وإنْ كنَّا لا نصلُ إلى اكتسابِ فضيلةٍ إِلا بالفعلِ ، وكانَ لا يكونُ فعْلٌ إلاَّ بالقُدرة ، فإنَّا لم نَرَ فعلاً زانَ فاعِلَه وأوجبَ الفضلَ له ، حتى يكونَ عنِ العلم صَدَرُهُ ، وحتى يتتبين ميسمه عليه وأثره ، ولم نر قدرةقط كَسبتْ صاحَبَها مَجْداً وأفادتْه حَمْداً ، دونَ أن يكونَ العلمُ رائدَها فيما تَطْلُب ، وقائدَها حيث يؤم ويذهب ، ويكُونَ المُصرِّفَ لعِنَانها ؛ والمقلِّبَ لها في مَيْدانِها . فهي إذاً مفتقِرة في أن تكونَ فضيلةٌ إليه ، وعيالٌ في استحقاقِ هذا الاسم عليه ، وإذا هيَ خلتْ منَ العِلم أو أبَتْ أن تمتثل أمره ؛ وتقتفي أثره ورسمه 1 ،
--> 1 في " ج " والمطبوعة : " وتقتفي رسمه " .