عبد القاهر الجرجاني
39
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
1 فقيلَ لنا : قد سَمِعْنا ما قلْتُم ، فخَبِّرونا عنهم ، عما ذا عجزوا ؟ أعن معان من دِقَّةِ مَعانيه وحُسْنهِا وصِحَّتها في العقول ؟ أمْ عن ألفاظٍ مِثْلِ ألفاظه ؟ فإِنْ قلْتُم : " عنِ الألفاظ " ، فماذا أَعْجَزَهم منَ اللفظ ، أمْ ما بهرهم منه ؟ فقلنا : أعجزتم مزايا ظهرتْ لهم في نظمهِ ، وخصائصُ صادفوها في سِياق لفظه ، وبدائعُ راعَتْهم من مبادئ آيهِ ومقاطِعها 2 ، ومجاري ألفاظِها ومواقعها ، وفي مضربِ كلَّ مثلٍ ، ومساقِ كلَّ خبرٍ 3 ، وصورةِ كلَّ عِظَةٍ وتنبيهٍ ، وإعلامٍ وتَذكيرٍ ، وترغيبٍ وترهيبٍ ، ومع كلَّ حُجةٍ وبُرهانٍ ، وصفةٍ وتبيان 4 وبَهرهُم أنَّهم تأمَّلوه سُورةً سورةً ، وعَشْراً عَشراً ، وآية آية ، فلم يجدوا في الجميع كلمة يَنْبو بها مكانُها ، ولفظةً يُنكرُ شانُها ، أو يُرى أنَّ غيَرها أصلحُ هناك أو أشْبَه ، أو أحرى وأخْلَق ، بل وجدُوا اتِّساقاً بَهرَ العُقولَ ، وأعجزَ الجمهورَ ، ونظاماً والتئاماً ، وإتقاناً وإحكاماً ، لم يَدعْ في نفسِ بليغٍ منهم ، ولو حكَّ بيافوخِه السَّماء ، موضعَ طمعٍ ، حتى خرسَتِ الألسنُ عن أن تدعي وتقول ، وخذيت القروم فلم تملك أن تصول 5 .
--> 1 الكلام معطوف بعضه على بعض ، والسياق : " وهي إنَّا إذا سُقْنا دليلَ الإِعجازِ فقُلْنا . . . . فقيل لنا . . . " وكذلك ما سيأتي بعده . 2 في " س " : " في مبادئ " . 3 في " س " : " وسياق كل خبر " . 4 " وبهرهم " معطوف على قوله : " أعجزتهم مزايا " . 5 في المطبوعة : وخلدت القروم " ، أرجع أنه مصحف . و " خذي يحذى ، واستحذى " ، خضع واسترخى . و " القروم " جمع " قرم " ، وهو فحل الإبل الذي يترك من الركوب ، والعمل ، فلا يمسه حبل ، بل يودع للفحلة . و " صال الفحل على الناقة " ، وثب عليها وسطابها ليخضعها .