عبد القاهر الجرجاني

24

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

من ذم الشعر لأنه موزون مقفى : 20 - وإن زعم أنه دم الشعرَ من حيثُ هو موزونٌ مقفَّى 1 ، حتى كأنَّ الوزنَ عيْبٌ 2 ، وحتى كأنَّ الكلامُ إذا نُظمَ نَظْمَ الشعرِ ، اتَّضَعَ في نفسِه ، وتَغيَّرتْ حالُه ، فقد أبعدَ ، وقال قَولاً لا يُعرفُ له مَعنى ، وخالفَ العلماءَ في قولِهم " إنما لشعر كلامٌ فحَسَنُه حَسَنٌ ، وقبيحُه قبيح " ، وقد رُوي ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً أيضاً 3 . فإنْ زعمَ أنه إنما كَرِهَ الوزنَ ، لأنه سبب ، لأن يتغنى في الشعر ويتلهى به ، فإذا إذا كُنَّا لم نَدْعُه إلى الشعرِ من أجلِ ذلك ، وإنما دَعوناه إلى اللفظ الجَزْل ، والقولِ الفَصْل ، والمنطقِ الحسَن ، والكلام البيِّن ، وإلى حسن التمثيل والاستعارة ، وإلى التلويج والإِشارةِ ، وإلى صَنعةٍ تَعْمَدُ إلى المَعنى الخسيسِ فشرفه ، وإلى الضئيل فَتُفخِّمُه ، وإلى النازل فترفَعُه ، وإلى الخامل فَتُنوِّه به ، وإلى العاطلِ فتُحَلِّيه 4 ، وإلى المُشكِل فَتُجَلِّيَهُ فلا مُتَعلَّقَ لهُ علينا بما ذَكَر ، ولا ضررَ علينا فيما أَنْكَر ، فليَقُلْ في الوزنِ ما شاء ، وليَضَعْهُ حيث أراد ، فليس بعنينا أمرهُ ، ولا هو مُرادُنا من هذا الَّذي راجعنا القول فيه . علة منعه صلى الله عليه وسلم من الشعر : 21 - وهذا هو الجوابُ لمتُعلِّقٍ إنْ تَعَلَّق بقولِهِ تعالى : { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَه } [ سورة يس : 69 ] وأرادَ أن يَجْعله حُجةً في المَنْع منَ الشعر ، ومن

--> 1 انظر الفقرة الماضية رقم : 9 . 2 في المطبوعة : " كان الوزن عيبًا " . 3 روى الدارقطني في الأفراد عن عائشة ، والبخاري في الأدب المفرد رقم : 865 ، 866 والطبراني في الأوسط ، وابن الجوزي في الواهيات عن عبد الله بن عمر ، والشافعي والبيهقي عن عروة مرسلًا : " الشعر كلام بمنزلة الكلام ، فحسنه حسن الكلام ، وقبيحه قبيح الكلام " . 4 " العاطل " من النساء التي لا حلى عليها .