عبد القاهر الجرجاني

25

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

حِفْظه وروايته . وذاك أنَّا نَعْلم أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يَمْنع الشعرَ من أجلِ أنْ كان قولاً فصلاً ، وكلاماً جَزْلا ، ومَنطقاً حَسناً ، وبَياناً بيِّناً ، كيفَ ؟ وذلَكَ يقتضي أن يكونَ اللهُ تعالى قد مَنَعه البيانَ والبلاغةَ ، وحماهُ الفصاحةَ والبراعةَ ، وجَعلَه لا يَبْلُغ مَبْلغَ الشُّعراءِ في حُسْنِ العبارة وشَرَف اللَّفظ . وهذا جهلٌ عظيمٌ ، وخلافٌ لِما عرفه البلغاء وأَجمعوا عليه من أنه صلى الله عليه وسلم كان أفصح العرب 1 ، وإذا بطلان يكونَ المَنْعُ من أجلِ هذه المعاني 2 ، وكنَّا قد أعلمناه أنا ندعوه إلى الشعر من أجلها ، ونحدوه بطلبه على طلبها ، وكان الاعتراضُ بالآيةِ مُحالاً ، والتعلُّق بها خَطلاً من الرأي وانحلالًا . فإذا قال : إِذا قالَ اللهُ تعالى : { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ } [ سورة يس : 69 ] فقد كره النبي صلى الله عليه وسلم الشعرَ ونَزَّهَه عنهُ بلا شُبْهة ، وهذه الكراهةُ وإنْ كانت لا تَتوجَّهُ إليه مِنْ حيثُ هو كلامٌ ، ومن حيثُ إنه بليغٌ بَيِّنٌ وفصيحٌ حَسَنٌ ونحوُ ذلك ، فإِنَّها تتوجَّه إلى الأمر لابد لك من التَّلَبُّس به في طَلبِ ما ذكرْتَ أنهُ مرادُك منَ الشَّعر ، وذاك أنه لا سبيل لك إلى أن تمييز كونَه كلاماً عن كونهِ شعراً . حتى إذا روَيْتَه التبَسْتَ بهِ من حيثُ هو كلامٌ ، ولم تَلْتبِسْ به من حيثُ هو شعرٌ ، هذا محال ، وإذا كان لابد من مُلاَبسة موضعِ الكراهةِ 3 ، فقد لَزِمَ العيبُ برواية الشعر وإعمالِ اللَّسانِ فيه . قيل له : هذا منكَ كلامٌ لا يتحصَّل . وذلك أنه لو كان الكلامُ إذا وُزِنَ حطَّ ذلكَ من قدرهِ ، وأَزْرى به ، وجلَبَ على المُفْرِغ له في ذلك القالب إثمًا ،

--> 1 في المطبوعة ، و " س " ؛ " لما عرفه العلماء " . 2 في " ج " ، " إذا بطل أن يكون المعنى " ، سهو من الناسخ . 3 في المطبوعة و " س " : " لابد لك " والذي في " ج " أجود .