عبد القاهر الجرجاني
15
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
وعلى العكس ، فربَّ كلمةِ حَقٍّ أُريدَ بها باطلٌ ، فاسْتُحِقَّ عليها الذمُّ ، كما عرفتَ من خبر الخارجي مع علي راضون الله عليه 1 . ورُبَّ قولٍ حَسَنٍ لم يَحْسُنْ من قائِلِه حينَ تَسبَّبَ به إِلى قبيحٍ ، كالذي حكى الجاحظ قال : " رجع طاوس يوماً عن مجلسِ مُحمّدِ بنِ يوسُفَ 2 ، وهوَ يومئذٍ والي اليمنِ فقال : ما ظَننتُ أنَّ قول : " سبحان الله " يكون معصية لله تعالى حتى كانَ اليومُ ، سمعتُ رجلاً أَبلغَ ابنَ يوسُفَ عن رجلٍ كلاماً ، فقالَ رجلٌ من أهلِ المَجلس : " سبحانَ الله " ، كالمستعظمِ لذلك الكلامِ ، ليُغضِبَ ابنَ يوسف " 3 . فبهذا ونحوِه فاعتبرْ ، واجْعلْهُ حكمًا بينك وبين الشعر . الدفاع عن الشَّعر : 15 - وبعدُ ، فكيفَ وَضعَ منَ الشعرِ عندكَ ، وكسبَهُ المقتَ منك ، أنَّك وجدتَ فيه الباطلَ والكذبَ وبعضَ ما لا يَحْسنُ ، ولم يَرفعْه في نفسِك ، ولم يُوجِب له المحبَّةَ من قبلك ، أنْ كانَ فيه الحقُّ والصدقُ والحكمةُ وفصْلُ الخِطاب ، وأنْ كانَ مَجْنى ثمرِ العقولِ والألبابِ ، ومجتمَعَ فِرَقِ الآدابِ ، والذي قيَّد على النّاسِ المعاني الشريفةَ ، وأفادَهُم الفوائدَ الجليلة ، وترسَّل بينَ الماضي والغابرِ ، يَنقل مكارمَ الأخلاق إِلى الولدِ عن الوالد ، ويؤدِّي ودائعَ الشَّرف عن الغائب إِلى الشَاهد ، حتى تَرى به آثارَ الماضين مخلَّدةً في الباقين ، وعقول الأَوَّلين مردودةً في الآخرين ، وتَرى لكلَّ مَن رَام الأدبَ ،
--> 1 وذلك حين قال البرج بن مسهر الطائي الشاعر الخارجي ، لعلي رضي الله عنه : " لا حكم إلا الله " ، وهي شعار الخوارج ، فقال علي : " كلمة حق أريد بها باطل ، وإنما مذهبهم أن لا يكون أمير ، ولا بد من أمير ، برًا كان أو فاجرًا " . 2 في هامش " ج " : " هو أخو الحجاج " ، يعني " محمد بن يوسف " . 3 في البيان والتبيين 1 : 395 .