عبد القاهر الجرجاني

16

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

وابتغَى الشرفَ ، وطلبَ محاسنَ القولِ والفعْل ، مناراً مرفوعاً ، وعِلْماً مَنصوباً ، وهادياً مُرْشداً ، ومُعلماً مسدِّداً ، وتجدُ فيه للنَّائي عن طَلبِ المآثر ، والزّاهِدِ في اكتسابِ المحامدِ ، داعياً ، ومُحرَّضاً ، وباعثاً ومحضَّضاً ، ومذكرًا ومعرفًا ، وواعظًا ومنفقًا . فلو كنت ممن يتصف كانَ في بعضِ ذَلك ما يُغيِّرُ هذا الرأيَ منك ، وما يَحْدوكَ على روايةِ الشَّعر وطَلَبه ، ويَمنعُكَ أنْ تَعيبَه أو تَعيبَ به ، ولكنك أَبَيْتَ إلاَّ ظناً سبَقَ إِليكَ ، وإِلاّ بادي رأيٍ عنَّ لك ، فأقفلْتَ عليه قلْبَكَ ، وسدَدْتَ عمَّا سِواهُ سَمْعَك ، فَعيَّ الناصحُ بك 1 ، وعَسُرَ على الصديق الخليط تنبيهك . الأحاديث في ذم الشعر ، ومدحه : نعم ، وكَيف رَويْتَ : " لأَنْ يمتلئَ جوفُ أَحدِكم قيحاً ، فيَرِيَهُ ، خيرٌ له من أَن يمتلئ شِعْراً " 2 ، ولهجتَ به ، وترِكتَ قولَه صلى الله عليه وسلم : " إنَّ مِن الشعر لَحِكْمةً ، وإنَّ مِن البيانِ لَسِحْرا " ؟ 3 وكيف نَسِيتَ أَمرَه صلى الله عليه وسلم بقول الشعر ، ووعده

--> 1 " عي " ، عجز ، أصله " عيي " ، فأدغم . 2 حديث رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن وغيرهم عن أبي هريرة وعن غيره والرواية المشهورة فيه : " حتى يريه " أي يفسده وفي رواية بحذف : " حتى يريه " وفي أخرى حذف : " حتى " وقرأها بعضهم حينئذ " يريه " بالفتح ، وبعضهم بالضم ، ولم أر من رواه بالفاء فيريه " كما في نسخة المصنف ، وفي رواية ابن عدي عن جابر : " لأن يمتلئ جوف الرجل قيحًا أو دمًا خير له من أن يمتلئ شعرًا مما هجيت به " " رشيد رضا " ، قال أبو فهر : قد خرجته في تهذيب الآثار للطبري ، في مسند عمر ، فراجعه . 3 الحديث مشهور رواه أصحاب الصحاح وغيرهم ، ورواية المصنف ملفقة من روايتين ، فقد وردت كل جملة من طريق . وأما الجملتان معًا فقد جاءنا في حديث ابن عباس عند أحمد وابن ماجة هكذا : " إن من البيان سحرًا ، وإن من الشعر حكمًا " وعند ابن عساكر من حديث علي باللام ، وله تتمة وهي : " وإن من العلم لجهلًا ، وإن من القول عيالًا " ، " رشيد " .