أحمد بن محمد البسيلي التونسي
23
نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد
وهذه النهضة العلمية التي يشيد بها هؤلاء العلماء الرُّحْلة ، هي في بعض منها ، من ثمار الحظوة التي حازها حملة العلم عند بني حفص ، هؤلاء الذين " حرصوا على تشجيع العلماء وتنشيطهم والمساعدة لهم ، فأقاموا بذلك على أيديهم دولة باهرة ، وحضارة زاهرة " . وقد درأت هذه العناية ابن حريز ، لينشئ ديوانا في مدح الحفصيين ، سماه " مهبّ نواسم المدائح ومصب غمائم المنائح في مدح الخلافة الحفصية " ، وصفات الرجل التي خلعها عليه البلوى تمنع مظنة التزلف والانتجاع ، فقد كان الرجل كريما يُقصد ولا يقصد ، فمدْحُه يصادف محلا : والناس أكيس من أن يمدحوا رجلا . . . ما لم يجدوا عنده آثار إحسان وقد أدرك الفقهاء سطوة لدى الحفصيين ، بَلَغَ من قدرها في العهد الحفصي الأول أن كان للفقهاء دورٌ حتى في خلْعِ أو تعْيين الخليفة ، " فقد كان لرجال الدولة الحفصية الحظّ الأوفر من نصرة الحق وإعانة القضاة على إجرائه ، فوسَّعوا للقاضي في السلطة والنفوذ ، وأعانوه على المباشَرة ، ومكَّنوه حتى من أنفسهم وبنيهم " ؛ مِن ذلك ما حُكي عن أبي محمد المرجاني ( ت 699 ه - ) ، وذلك أنه لما مرض أبو حفص عمر ، عُهد بالملك لولده عبد الله ، فتحدث الموحدون والفقهاء والقاضي مع المرجاني المذكور ، تحدثوا معه في أن الولد صغير ، واتفق رأيهم على أبي عبد الله المعروف بأبي عصيدة ، ابن الواثق بالله بن المستنصر . ولم يكن يمتنع عن الفقهاء والقضاة في إجراء الأحكام الأمراءُ فمَنْ دونَهم ، فمن ذلك أن أبا عبد الله المعروف بأبي ضربة ، لما فَرَّ والدُه وبويع هو إنما أُخْرج من السجن بعد أن كان مثقَّفاً على يد قاضى الوقت أبي إسحق بن عبد الرفيع ( ت 733 ه - ) ، بسبب جناية .