أحمد بن محمد القسطلاني
462
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
بالسين المهملة البصري قال : ( حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( عن أبي بشر ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة حفص بن أبي وحشية إياس الواسطي ( عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ) أنه ( قال : كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يدني ) أي يقرّب ( ابن عباس ) من نفسه وكان الأصل أن يقول : يدنيه لكنه أقام الظاهر مقام المضمر ( فقال له عبد الرحمن بن عوف : إن لنا أبناء مثله ) في السن فلم تدنهم ( فقال ) عمر : ( إنه من حيث تعلم ) من جهة قرابته من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو من جهة زيادة معرفته ( فسأل عمر ابن عباس عن هذه الآية { إذا جاء نصر الله والفتح } ) [ النصر : 1 ] بعد أن سألهم فمنهم من قال : فتح المدائن ، ومنهم من سكت ( فقال ) ابن عباس مجيبًا هو ( أجل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إياه فقال ) له عمر : ( ما أعلم منها إلا ما تعلم ) . وعند الطبراني عن ابن عباس من وجه آخر لما نزلت أخذ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أشد ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة ، وقوله وقال يونس المعلق السابق بعد قوله تختصمون مؤخر هنا في رواية أبي ذر . 4431 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعُهُ ، فَقَالَ : « ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا » فَتَنَازَعُوا وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ فَقَالُوا : مَا شَأْنُهُ أَهَجَرَ اسْتَفْهِمُوهُ ؟ فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ فَقَالَ : « دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ » وَأَوْصَاهُمْ بِثَلاَثٍ قَالَ : « أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ » وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ ، أَوْ قَالَ فَنَسِيتُهَا . وبه قال : ( حدّثنا قتيبة ) بن سعيد قال : ( حدّثنا سفيان ) ولأبي ذر ابن عيينة بدل سفيان ( عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير ) أنه ( قال : قال ابن عباس ) - رضي الله عنهما - : ( يوم الخميس وما يوم الخميس ) ؟ برفع يوم خبر مبتدأ محذوف ومراده التعجب من شدة الأمر وتفخيمه ، ولمسلم ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيتها على خذيه كأنها نظام اللؤلؤ ( اشتدّ برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجعه فقال ) : ( ائتوني ) زاد في العلم بكتاب أي بأدوات الكتاب كالدواة والقلم ، أو ما يكتب فيه كالكاغد ( أكتب لكم ) بالجزم جواب الأمر والرفع على الاستئناف أي آمر من يكتب لكم ( كتابًا لن تضلوا ) منصوب بحذف النون ، ولأبي ذر عن الكشميهني : لا تضلون ( بعده أبدًا فتنازعوا ) فقال بعضهم : نكتب لما فيه من امتثال الأمر وزيادة الإيضاح . وقال عمر - رضي الله عنه - : حسبنا كتاب الله فالأمر ليس للوجوب بل للإرشاد إلى الأصلح ( ولا ينبغي عند نبي تنازع ) قيل : هذا مدرج من قول ابن عباس ويردّه قوله عليه الصلاة والسلام في كتاب العلم في باب كتابة العلم ( ولا ينبغي عندي التنازع فقالوا : ما شأنه أهجر ) ؟ بإثبات همزة الاستفهام وفتح الهاء والجيم والراء ، ولبعضهم أهجرًا بضم الهاء وسكون الجيم والتنوين مفعولاً بضم مضمر أي قال : هجرًا بضم الهاء وسكون الجيم وهو الهذيان الذي يقع من كلام المريض الذي لا ينتظم ، وهذا مستحيل وقوعه من المعصوم صحة ومرضًا ، وإنما قال ذلك من قاله منكرًا على من توقف في امتثال أمره بإحضار الكتف والدواة فكأنه قال : تتوقف أتظن أنه كغيره يقول الهذيان في مرضه ، امتثل أمره وأحضر ما طلب ، فإنه لا يقول إلا الحق ، أو المراد أهجر بلفظ الماضي من الهجر بفتح الهاء وسكون الجيم والمفعول محذوف أي أهجر الحياة وعبّر بالماضي مبالغة لما رأى من علامات الموت ( استفهموه ) بكسر الهاء بصيغة الأمر أي عن هذا الأمر الذي أراده هل هو الأولى أم لا ( فذهبوا يردّون عليه ) أي يعيدون عليه مقالته ويستثبتونه فيها ، وقد كانوا يراجعونه في بعض الأمور قبل تحتم الإيجاب كما راجعوه يوم الحديببة في الحلاق وكتابة الصلح بينه وبين قريش ، فأما إذا أمر بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه أحد منهم ، ولأبي ذر : يردّون عنه القول المذكور على من قاله . ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( دعوني ) اتركوني ( فالذي أنا فيه ) من المشاهدة والتأهب للقاء الله عز وجل ( خير مما تدعوني ) ولأبي ذر مما تدعونني ( إليه ) من شأن كتابة الكتاب ( وأوصاهم ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في تلك الحالة ( بثلاث ) من الخصال ( قال ) لهم : ( أخرجوا المشركين ) بفتح الهمزة وكسر الراء ( من جزيرة العرب ) هي من عدن إلى العراق طولاً ، ومن جدّة إلى الشام عرضًا ( وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ) أي أعطوهم ، وكانت جائزة الواحد على عهده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من فضة وهي أربعون درهمًا فأمر بإكرامهم