أحمد بن محمد القسطلاني

463

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

تطييبًا لقلوبهم وترغيبًا لغيرهم من المؤلّفة ( وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها ) قيل : الساكت هو ابن عباس ، والناسي سعيد بن جبير ، لكن في مستخرج أبي نعيم قال سفيان قال سليمان أي ابن أبي مسلم : لا أدري أذكر سعيد بن جبير الثالثة فنسيتها أو سكت عنها فهو الراجح ، وقد قيل : إن الثالثة هي الوصية بالقرآن أو هي تجهيز جيش أسامة لقول أبي بكر لما اختلفوا عليه في تنفيذ جيش أسامة : إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عهد إليّ بذلك عند موته أو قوله " لا تتخذوا قبري وثنًا " فإنها ثبتت في الموطأ مقرونة بالأمر بإخراج اليهود ، أو هي ما وقع في حديث أنس من قوله " الصلاة وما ملكت أيمانكم " . وهذا الحديث قد سبق في العلم والجهاد . 4432 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ : لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ » فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَاخْتَصَمُوا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : قَرِّبُوا يَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : غَيْرَ ذَلِكَ فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالاِخْتِلاَفَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « قُومُوا » . قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : فَكَانَ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ لاِخْتِلاَفِهِمْ وَلَغَطِهِمْ . وبه قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) المديني قال : ( حدّثنا عبد الرزاق ) بن همام قال : ( أخبرنا معمر ) هو ابن راشد ( عن الزهري ) محمد بن مسلم ( عن عبيد الله ) بضم العين ( ابن عبد الله بن عتبة ) بن مسعود ( عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ) أنه ( قال : لما حضر ) بضم المهملة وكسر المعجمة مبنيًّا للمفعول ( رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي دنا موته ( وفي البيت رجال ) من الصحابة ( فقال النبي ) وفي نسخة : فقال رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( هلموا أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده ) بحذف النون على أن لا ناهية ولأبي ذر عن الكشميهني : لا تضلون بإثبات النون على أنها نافية ( فقال بعضهم ) : هو عمر بن الخطاب ( إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا ) أي يكفينا ( كتاب الله ) . قال أبو سليمان : خشي عمر - رضي الله عنه - أن يجد المنافقون سبيلاً إلى الطعن فيما يكتبه إلى حمله إلى تلك الحالة التي جرت العادة فيها بوقوع بعض ما يخالف الإتقان ، فكان ذلك سبب توقف عمر لا أنه تعمد مخالفة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا جوّز وقوع الغلط عليه حاشا وكلا . ( فاختلف أهل البيت ) الذي كانوا فيه من الصحابة لا أهل بيته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( واختصموا فمنهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم كتابًا لا تضلوا ) ولأبي ذر عن الكشميهني : لا تضلون ( بعده ، ومنهم من يقول : غير ذلك ، فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قوموا ) عني واستنبط منه أن الكتابة ليست بواجبة وإلاّ لم يتركها - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأجل اختلافهم لقوله تعالى : { بلّغ ما أنزل إليك } [ المائدة : 67 ] كما لم يترك التبليغ لمخالفة من خالفه ومعاداة ، من عاداه ، وكما أمر في تلك الحالة بإخراج اليهود من جزيرة العرب وغير ذلك ولا يعارض هذا قوله . ( قال عبيد الله ) بضم العين ابن عبد الله : ( فكان يقول ابن عباس : إن الرزية كل الرزية ) بالراء ثم الزاي فالتحتية المشددة أي المصيبة كل المصيبة ( ما حال بين رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم ) لأن عمر كان أفقه من ابن عباس قطعًا ، وذلك أنه إن كان من الكتاب بيان أحكام الدين ورفع الخلاف فيها فقد علم عمر حصول ذلك من قوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم } [ المائدة : 3 ] وعلم أنه لا تقع واقعة إلى يوم القيامة إلا وفي الكتاب والسنة بيانها نصًّا أو دلالة ، وفي تكلف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مرضه مع شدة وجعه كتابة ذلك مشقة ، فرأى الاقتصار على ما سبق بيانه تخفيفًا عليه ، ولئلا ينسدّ باب الاجتهاد على أهل العلم والاستنباط وإلحاق الأصول بالفروع ، فرأى عمر - رضي الله عنه - أن الصواب ترك الكتابة تخفيفًا عليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفضيلة للمجتهدين ، وفي تركه الإنكار عليه دليل على استصواب رأيه . 4433 و 4434 - حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ جَمِيلٍ اللَّخْمِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ : دَعَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاطِمَةَ - عَلَيْهَا السَّلاَمُ - فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ فَسَارَّهَا بِشَىْءٍ فَبَكَتْ ثُمَّ دَعَاهَا فَسَارَّهَا بِشَىْءٍ فَضَحِكَتْ ، فَسَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ : سَارَّنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَبَكَيْتُ ، ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِهِ يَتْبَعُهُ فَضَحِكْتُ . وبه قال : ( حدّثنا يسرة ) بفتح التحتية والمهملة والراء ( ابن صفوان بن جميل ) بفتح الجيم وكسر الميم ( اللخمي ) بالخاء المعجمة الساكنة قال : ( حدّثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قاضي المدينة ( عن عروة ) بن الزبير ( عن عائشة ) - رضي الله عنها - ( أنها قالت : دعا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاطمة ) بنته ( عليها السلام في شكواه ) في مرضه ( الذي قبض فيه ) ولأبي ذر عن الكشميهني التي قبض فيها بالتأنيث على لفظ شكواه