أحمد بن محمد القسطلاني

457

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

تاب الله على كعب ( قال ) كعب : ( فخررت ساجدًا ) شكرًا لله ( وعرفت أن قد جاء فرج وآذن ) بالمد أي أعلم ( رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتوبة الله علينا حين صلّى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا ) ، أيها الثلاثة بتوبة الله علينا ( وذهب قبل ) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة ( صاحبيّ ) مرارة وهلال ( مبشرون ) يبشرونهما ( وركض إليّ ) بتشديد الياء أي استحث ( رجل فرسًا ) للعدو وعند الواقدي أنه الزبير بن العوّام ( وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل ) ، هو حمزة بن عمرو الأسلمي رواه الوقدي . وعند ابن عائذ أن اللذين سعيا أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - لكنه صدره بقوله زعموا ( وكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته ) هو حمزة الأسلمي ( يبشرني نزعت له ثوبي ) بتشديد الياء بالتثنية ( فكسوته إياهما ببشراه ) لي بتوبة الله عليّ ( والله ما أملك ) من الثياب ( غيرهما يومئذ ) وقد كان له مال غيرهما كما صرح به فيما يأتي ( واستعرت ثوبين ) أي من أبي قتادة كما عند الواقدي ( فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيتلقاني الناس فوجًا فوجًا ) جماعة جماعة ( يهنوني ) ولأبي ذر : يهنونني ( بالتوبة يقولون : لتهنك ) بكسر النون ( توبة الله عليك . قال كعب : حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جالس حوله الناس فقام إليّ ) بتشديد الياء ( طلحة بن عبيد الله ) بضم العين أحد العشرة المبشرة بالجنة ( يهرول ) أي يسير بين المشي والعدو ( حتى صافحني وهناني والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره ) وكانا أخوين آخى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهما كذا قاله البرماوي كغيره ، وتعقب بأن الذي ذكره أهل المغازي أنه كان أخا الزبير ، لكن كان الزبير أخًا في أخوة المهاجري فهو أخو أخيه ( ولا أنساها لطلحة ) أي هذه الخصلة وهي بشارته إياي بالتوبة أي لا أزال أذكر إحسانه إليّ بذلك وكنت رهين مسرته ( قال كعب : فلما سلّمت على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يبرق وجهه من السرور ) : ( أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك ) أي سوى يوم إسلامه وهو مستثنى تقديرًا ، وإن لم ينطق به أوان يوم توبته مكمل ليوم إسلامه ، فيوم إسلامه بداية سعادته ، ويوم توبته مكمل لها فهو خير من جميع أيامه وإن كان يوم إسلامه خيرها فيوم توبته المضاف إلى إسلامه خير من يوم إسلامه المجرد عنها ( قال ) كعب : ( قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : لا بل من عند الله ) زاد ابن أبي شيبة أنتم صدقتم الله فصدقكم . ( وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا سرّ ) بضم السين وتشديد الراء مبنيًّا للمفعول ( استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر ) قيل : قال قطعة قمر احترازًا من السواد الذي في القمر أو إشارة إلى موضع الاستنارة وهو الجبين الذي فيه يظهر السرور . قالت عائشة : مسرورًا تبرق أسارير وجهه فكان التشبيه وقع على بعض الوجه فناسب أن يشبه ببعض القمر ( وكنا نعرف ذلك منه ) أي الذي يحصل له من استنارة وجهه عند السرور ( فلما جلست بين يديه ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( قلت : يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع ) أخرج ( من ) جميع ( مالي صدقة ) قال الزركشي وتبعه البرماوي وابن حجر وغيرهما : هي مصدر فيجوز انتصابه بانخلع لأن معنى انخلع أتصدق ، ويجوز أن يكون مصدرًا في موضع الحال أي متصدقًا ، وتعقبه في المصابيح فقال : لا نسلم أن الصدقة مصدر ، وإنما هي اسم لما يتصدق به ومنه قوله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة } [ التوبة : 103 ] وفي الصحاح : الصدقة ما تصدق به على الفقراء فعلى هذا يكون نصبها على الحال من مالي ( إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي صدقة خالصة لله ولرسول الله ، فإلى بمعنى اللام ، ولأبي ذر إلى رسوله ( قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : له خوفًا عليه من تضرره بالفقر وعدم صبره على الإضافة : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك قلت : أمسك سهمي الذي بخيبر فقلت : يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق وإن من توبتي