أحمد بن محمد القسطلاني

431

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

( فأتى راهبًا ) من النصارى لم يسم وفيه إشعار بأن ذلك وقع بعد رفع عيسى فإن الرهبانية إنما ابتدعها أتباعه ( فسأله فقال له : هل ) لي ( من توبة ) ؟ بعد هذه الجريمة العظيمة . وفي الحديث إشكال لأنا إن قلنا لا فقد خالفنا نصوصنًا ، وإن قلنا نعم فقد خالفنا نصوص الشرع فإن حقوق بني آدم لا تسقط بالتوبة بل توبتها أداؤها إلى مستحقيها أو الاستحلال منها . والجواب أن الله تعالى إذا رضي عنه وقبل توبته يرضي عنه خصمه ، وسقط لأبوي ذر والوقت لفظة من فتوبة رفع . ( قال ) له الراهب ( لا ) توبة لك بعد أن قتلت تسعة وتسعين إنسانًا ظلمًا ( فقتله ) وكمل به مائة ( فجعل يسأل ) أي هل لي من توبة أو عن أعلم أهل الأرض ليسأله عن ذلك ( فقال له رجل ) : راهب لم يسم أيضًا بعد أن سأله فقال إني قتلت مائة إنسان فهل لي من توبة ؟ فقال : نعم ومن يحول بينك وبين التوبة ( ائت قرية كذا وكذا ) اسمها نصرة كما عند الطبراني بإسنادين أحدهما جيد من حديث عبد الله بن عمرو زاد في رواية ، فانطلق حتى إذا نصف الطريق ( فأدركه الموت فناء ) بنون ومد وبعد الألف همزة أي مال ( بصدره نحوها ) نحو القرية نصرة التي توجه إليها للتوبة ، وحكي فنأى بغير مدّ قبل الهمزة وبإشباعها بوزن سعى أن بعد بصدره عن الأرض التي خرج منها ( فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ) زاد في رواية هشام عن قتادة عند مسلم فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى ، وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرًا قط ( فأوحى الله إلى هذه ) القرية نصرة ( أن تقربي ) منه ( وأوحى إلى هذه ) القرية التي خرج منها وهي كفرة كما عند الطبراني ( أن تباعدي . وقال ) للملائكة : ( قيسوا ما بينهما ) فقيس ( فوجد ) بضم الواو مبنيًا للمفعول ( إلى هذه ) القرية نصرة ( قرب ) بفتح الموحدة ولأبي ذر فوجد له هذه أقرب ( بشبر ) وأقرب في هذه الرواية رفع على ما لا يخفى وفي رواية هشام فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد ، وعند الطبراني في حديث معاوية فوجدوه أقرب إلى دير التوّابين بأنملة ( فغفر له ) . واستنبط منه أن التائب ينبغي له مفارقة الأحوال التي اعتادها في زمان المعصية والتحوّل عنها كلها والاشتغال بغيرها وغير ذلك مما يطول . وهذا الحديث أخرجه مسلم في التوبة وابن ماجة في الدّيات . 3471 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ : « صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلاَةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا ، فَقَالَتْ : إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا ، إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ ، فَقَالَ النَّاسُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ ؟ فَقَالَ : فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ . وَمَا هُمَا ثَمَّ . وَبَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ فَذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ ، فَطَلَبَ حَتَّى كَأَنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ ، فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ : هَذَا اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي ، فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ ، يَوْمَ لاَ رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي ؟ فَقَالَ النَّاسُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ ؟ قَالَ : فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ . وَمَا هُمَا ثَمَّ » . وَحَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِهِ . وبه قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) المديني قال : ( حدّثنا سفيان ) بن عيينة قال : ( حدّثنا أبو الزناد ) عبد الله بن ذكوان ( عن الأعرج ) عبد الرَّحمن بن هرمز ( عن أبي سلمة ) بن عبد الرَّحمن بن عوف ( عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ) أنه ( قال : صلى رسول الله صلاة الصبح ثم أقبل على الناس فقال ) : ( بينا ) بغير ميم ( رجل ) من بني إسرائيل لم يسم ( يسوق بقرة ) وجواب بينا قوله ( إذ ركبها فضربها فقالت إنا ) أي جنس البقر ( لم نخلق لهذا ) الركوب ( إنما خلقنا للحرث ) الحصر في ذلك غير مراد اتفاقًا إذ من جملة ما خلقت له الذبح والأكل ( فقال الناس ) متعجبين ( سبحان الله بقرة تكلم ) بحذف إحدى التاءين تخفيفًا ( فقال ) : ولأبوي ذر والوقت قال أي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فإني أومن بهذا ) بنطق البقرة والفاء جواب شرط محذوف أي فإذا كان الناس يستغربونه فإني لا أستغربه وأومن به ( أنا و ) كذا ( أبو بكر وعمر وما هما ثم ) بفتح المثلثة أي ليسا حاضرين . قال الحافظ ابن حجر : وهو من كلام الراوي ولم يقع في رواية الزهري وثبت لفظ أنا في اليونينية وسقط في الفرع . ( و ) قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالإسناد السابق ( بينما ) بالميم ( رجل ) لم يسم ( في غنمه إذ عدا الذئب ) بالعين المهملة من العدوان ( فذهب منها بشاة فطلب ) أي صاحب الغنم الشاة ( حتى كأنه استنقذها منه ، فقال له ) : أي لصاحب الغنم ( الذئب : هذا ) أي يا هذا بحذف حرف النداء واعترض بأنه ممنوع أو قليل أو المراد هذا اليوم ( استنقذتها ) ولأبى ذر عن الحموي والمستملي استنقذها ( مني ) فهو في موضع