أحمد بن محمد القسطلاني
357
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
فلما رآه ) إسماعيل ( قام إليه صنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ) من الاعتناق والمصافحة وتقبيل اليد ونحو ذلك . وفي رواية معمر قال : سمعت رجلاً يقول بكيا حتى أجابهما الطير ( ثم قال ) إبراهيم عليه السلام ( يا إسماعيل إن الله ) عز وجل ( أمرني بأمر . قال ) إسماعيل ( فاصنع ما أمرك ) به ( ربك . قال : وتعينني ) ؟ عليه ( قال : وأعينك ) ولأبي ذر عن الكشميهني فأعينك ( قال ) إبراهيم : ( فإن الله أمرني أن ابني هاهنا بيتًا وأشار إلى أكمة ) بفتح الهمزة والكاف والميم إلى رابية ( مرتفعة على ما حولها قال : فعند ذلك رفعا ) إبراهيم وإسماعيل ولأبي ذر رفع بالإفراد أي إبراهيم ( القواعد من البيت ) جمع قاعدة وهي الأساس صفة غالبة من القعود بمعنى الثبات ورفعها البناء عليها فإنه ينقلها عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع ( فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء ) زاد أبو جهم وجعل طوله في السماء تسعة أذرع وعرضه في الأرض يعني دوره ثلاثين ذراعًاً كان ذلك بذراعهم ( جاء ) أي إسماعيل ( بهذا الحجر ) حجر المقام ( فوضعه له ) للخليل ( فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان : { ربنا تقبل منا إنك أنت السميع } ) لدعائنا ( { العليم } ) ببنائنا ( قال : فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان : { ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم } ) وقد قيل : ليس في العالم بناء أشرف من الكعبة لأن الآمر بمعمارته رب العالمين ، والمبلغ والمهندس جبريل الأمين ، والباني هو الخليل والتلميذ المعين إسماعيل . 3365 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ : " لَمَّا كَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ أَهْلِهِ مَا كَانَ خَرَجَ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّ إِسْمَاعِيلَ ، وَمَعَهُمْ شَنَّةٌ فِيهَا مَاءٌ ، فَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ فَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَوَضَعَهَا تَحْتَ دَوْحَةٍ ، ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ ، فَاتَّبَعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ حَتَّى لَمَّا بَلَغُوا كَدَاءً نَادَتْهُ مِنْ وَرَائِهِ : يَا إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَنْ تَتْرُكُنَا ؟ قَالَ : إِلَى اللَّهِ . قَالَتْ : رَضِيتُ بِاللَّهِ . قَالَ : فَرَجَعَتْ فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا ، حَتَّى لَمَّا فَنِيَ الْمَاءُ قَالَتْ : لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَدًا . قَالَ : فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتِ الصَّفَا فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ هَلْ تُحِسُّ أَحَدًا ؟ فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا . فَلَمَّا بَلَغَتِ الْوَادِيَ سَعَتْ وَأَتَتِ الْمَرْوَةَ ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ أَشْوَاطًا ، ثُمَّ قَالَتْ : لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ - تَعْنِي الصَّبِيَّ - فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ فَإِذَا هُوَ عَلَى حَالِهِ كَأَنَّهُ يَنْشَغُ لِلْمَوْتِ ، فَلَمْ تُقِرَّهَا نَفْسُهَا ، فَقَالَتْ : لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَدًا ، فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتِ الصَّفَا فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا ، حَتَّى أَتَمَّتْ سَبْعًا ، ثُمَّ قَالَتْ : لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ ، فَإِذَا هِيَ بِصَوْتٍ ، فَقَالَتْ : أَغِثْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ ، فَإِذَا جِبْرِيلُ ، قَالَ : فَقَالَ بِعَقِبِهِ هَكَذَا ، وَغَمَزَ عَقِبَهُ عَلَى الأَرْضِ ، قَالَ : فَانْبَثَقَ الْمَاءُ ، فَدَهَشَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَجَعَلَتْ تَحْفِرُ ، قَالَ : فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : لَوْ تَرَكَتْهُ كَانَ الْمَاءُ ظَاهِرًا ، قَالَ : فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا . قَالَ فَمَرَّ نَاسٌ مِنْ جُرْهُمَ بِبَطْنِ الْوَادِي فَإِذَا هُمْ بِطَيْرٍ ، كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَاكَ ، وَقَالُوا : مَا يَكُونُ الطَّيْرُ إِلاَّ عَلَى مَاءٍ ، فَبَعَثُوا رَسُولَهُمْ فَنَظَرَ ، فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ ، فَأَتَاهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ ، فَأَتَوْا إِلَيْهَا فَقَالُوا : يَا أُمَّ إِسْمَاعِيلَ أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَكُونَ مَعَكِ ، أَوْ نَسْكُنَ مَعَكِ ؟ فَبَلَغَ ابْنُهَا فَنَكَحَ فِيهِمُ امْرَأَةً . قَالَ : ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لأَهْلِهِ : إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي . قَالَ : فَجَاءَ فَسَلَّمَ فَقَالَ : أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ ؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ : ذَهَبَ يَصِيدُ . قَالَ : قُولِي لَهُ إِذَا جَاءَ : غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ . فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ ، قَالَ : أَنْتِ ذَاكِ ، فَاذْهَبِي إِلَى أَهْلِكِ . قَالَ : ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لأَهْلِهِ : إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي . قَالَ فَجَاءَ فَقَالَ : أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ ؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ : ذَهَبَ يَصِيدُ ، فَقَالَتْ : أَلاَ تَنْزِلُ فَتَطْعَمَ وَتَشْرَبَ ؟ فَقَالَ : وَمَا طَعَامُكُمْ ، وَمَا شَرَابُكُمْ ؟ قَالَتْ : طَعَامُنَا اللَّحْمُ وَشَرَابُنَا الْمَاءُ - قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ . قَالَ : فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بَرَكَةٌ بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ . قَالَ : ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لأَهْلِهِ : إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي ، فَجَاءَ فَوَافَقَ إِسْمَاعِيلَ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ يُصْلِحُ نَبْلاً لَهُ ، فَقَالَ : يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ رَبَّكَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا . قَالَ : أَطِعْ رَبَّكَ . قَالَ : إِنَّهُ أَمَرَنِي أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ ، قَالَ : إِذًا أَفْعَلَ - أَوْ كَمَا قَالَ . قَالَ : فَقَامَا فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ ، وَيَقُولاَنِ : { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [ البقرة : 127 ] . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن محمد ) المسندي قال : ( حدّثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو ) بفتح العين وسكون الميم العقدي ( قال : حدّثنا إبراهيم بن نافع ) المخزومي المكي ( عن كثير بن كثير ) بالمثلثة فيهما ابن المطلب بن أبي وداعة ( عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما ) أنه ( قال : لما كان بين إبراهيم ) الخليل ( وبين أهله ) سارة ، وسقط وبين لابن عساكر ( ما كان ) من جنس الخصومة لما داخل سارة من الغيرة بسبب ولادة هاجر إسماعيل ( خرج ) إبراهيم ( بإسماعيل وأم إسماعيل ) إلى مكة ( ومعهم شنة ) بفتح الشين المعجمة والنون المشددة قربة يابسة ( فيها ماء فجعلت أم إسماعيل ) هاجر ( تشرب من الشنة فيدرّ لبنها ) بفتح الياء وكسر الدال المهملة ( على صبيها حتى قدم مكة فوضعها ) هي وإسماعيل ( تحت دوحة ) شجرة زاد في الرواية السابقة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذٍ أحد وليس بها ماء ( ثم رجع إبراهيم إلى أهله فاتبعته ) بتشديد الفوقية ( أم إسماعيل ) ومعها إسماعيل ( حتى لما بلغوا كداء ) بفتح الكاف والدال المهملة ممدودًا أعلى مكة ولأبي ذر وابن عساكر كدى بضم الكاف وتنوين الدال مفتوحة من غير همز والذي في اليونينية كدى من غير تنوين ( نادته ) هاجر ( من ورائه يا إبراهيم إلى من تتركنا ؟ قال : إلى الله ) . عز وجل ( قالت : رضيت بالله . قال : فرجعت ) إلى موضعها الأوّل ( فجعلت تشرب من الشنة ويدرّ لبنها على صبيها ) أي إسماعيل ( حتى لما فني الماء ) وانقطع لبنها ( قالت : لو ذهبت فنظرت لعلّي أحس أحدًا ) أي أشعر به أو أراه ( قال : فذهبت ) ولأبي ذر إسقاط لفظ قال ( فصعدت الصفا ) بكسر العين ( فنظرت ونظرت هل تحس أحدًا فلم تحس أحدًا ) فهبطت من الصفا ( فلما بلغت الوادي سعت ) سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ( وأتت ) بالواو ولأبي ذر أتت ( المروة ) فقامت عليها ونظرت هل تحس أحدًا فلم تحس أحدًا ( ففعلت ) ولأبي ذر وفعلت ( ذلك أشواطًا ) سبعة ( ثم قالت : لو ذهبت فنظرت ما فعل تعني الصبي ) إسماعيل ( فذهبت فنظرت ) إليه ( فإذا هو على حاله كأنه ينشغ ) بتحتية مفتوحة فنون ساكنة فشين مفتوحة فغين معجمتين يشهق من صدره ( للموت ) من شدة ما يرد عليه ( فلم تقرها نفسها ) بضم المثناة الفوقية وكسر القاف وتشديد الراء ونفسها رفع على الفاعلية أي لم تتركها نفسها مستقرّة فتشاهده في حال الموت ( فقالت : لو ذهبت فنظرت لعلّي أحس أحدًا ، فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت فلم تحس