أحمد بن محمد القسطلاني
292
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
عباس ) مما وصله عبد الرزاق ( وأنس ) مما وصله ابن أبي شيبة - رضي الله عنهم - ( بالذبح ) أي بذبح المحرم ( بأسًا ) وظاهره العموم فيتناول الصيد وغيره لكن بين المؤلّف أنه خاص بالثاني حيث قال : ( وهو ) أي بالذبح ( غير الصيد ) ولأبي ذر : في غير الصيد ( نحو الإبل والغنم والبقر والدجاج والخيل ) . وهذا قاله المؤلّف تفقهًا وهو متفق عليه فيما عدا الخيل فإنه مخصوص بمن يبيح أكلها ( يقال : عدل ) بفتح العين ( مثل ) بكسر الميم وبهذا فسره أبو عبيد في المجاز ولأبي الوقت : عدل ذلك مثل ( فإذا كسرت ) بضم الكاف أي العين ( عدل ) وفي بعض الأصول المعتمدة : فإذا كسرت بفتح الكاف وباء الخطاب عدلاً بالنصب على المفعولية وفتح العين ( فهو زنة ذلك ) أي موازنة في القدر ( قيامًا ) في قوله تعالى : { جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ } [ المائدة : 97 ] أي ( قوامًا ) بكسر القاف أي يقوم به أمر دينهم ودنياهم أو هو سبب انتعاشهم في أمر معاشهم ومعادهم يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضعيف ويربح فيه التجار ويتوجه إليه الحجاج والعمار ( يعدلون ) في قوله : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } [ الأنعام : 1 ] بالأنعام أي ( يجعلون ) له ( عدلاً ) بفتح العين ، ولأبي ذر أي مثلاً تعالى الله عن ذلك ولغيره عدلاً بكسرها . وقال البيضاوي : والمعنى أن الكفار يعدلون بربهم الأوثان أي يسوونها به ومناسبة ذكر هذا هنا كونه من مادة قوله تعالى : { أو عدل ذلك } [ المائدة : 95 ] بالفتح أي مثله وما ذكر جميعه مطابق ترجمة الباب السابق وليس مناسبًا للترجمة الأخرى . 1821 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : " انْطَلَقَ أَبِي عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ . وَحُدِّثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عَدُوًّا يَغْزُوهُ ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ ، وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي . فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ ، وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ ، فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا وَأَسِيرُ شَأْوًا ، فَلَقِيتُ رَجُلاً مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ، قُلْتُ : أَيْنَ تَرَكْتَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا . فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَهْلَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلاَمَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ ، إِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ ، فَانْتَظِرْهُمْ . قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ وَعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ . فَقَالَ لِلْقَوْمِ : كُلُوا . وَهُمْ مُحْرِمُونَ " . [ الحديث 1821 - أطرافه في : 1822 ، 1823 ، 1824 ، 2570 ، 2854 ، 2914 ، 4149 ، 5406 ، 5407 ، 5490 ، 5491 ، 5492 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا معاذ بن فضالة ) بفتح الفاء والصاد المعجمة واللام الزهراني قال : ( حدّثنا هشام ) الدستوائي ( عن يحيى ) بن أبي كثير ( عن عبد الله بن أبي قتادة قال : انطلق أبي ) أبو قتادة الحرث بن ربعي الأنصاري ( عام الحديبية ) في عمرتها وهذا أصح من رواية الواحدي من وجه آخر عن عبد الله بن أبي قتادة أن ذلك كان في عمرة القضية ( فأحرم أصحابه ) أي أصحاب أبي قتادة ( ولم يحرم ) أبو قتادة لاحتمال أنه لم يقصد نسكًا إذ يجوز دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يرد حجًّا ولا عمرة كما هو مذهب الشافعية ، وأما على مذهب الأئمة الثلاثة القائلين بوجوب الإحرام فاحتجوا له بأن أبا قتادة إنما لم يحرم لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان أرسله إلى جهة أخرى ليكشف أمر عدوّ في طائفة من الصحابة كما قال : ( وحدث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بضم الحاء وكسر الدال المشددة مبنيًا للمفعول ( أن عدوًا ) له من المشركين ( يغزوه ) زاد في حديث الباب اللاحق بغيقة فتوجّهنا نحوهم ، أي بأمره عليه الصلاة والسلام . قلت : لكن يعكر على هذا أن في حديث سعيد بن منصور من طريق المطلب عن أبي قتادة أن خبر العدو أتاهم حين بلوغهم الروحاء ومنها وجههم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والروحاء على أربعة وثلاثين ميلاً من ذي الحليفة ميقات إحرامهم ، فهذا صريح في أن خبر العدو أتاهم بعد مجاوزة الميقات . ويؤيده قوله في حديث الباب اللاحق فأحرم أصحابه ولم أحرم فأنبئنا بعدو بغيقة فتوجهنا فعبر بالفاء المقتضية لتأخير الأنباء عن الإحرام وحينئذ فلا دلالة فيه على ما ذكر . وقال الأثرم : إنما جاز لأبي قتادة ذلك لأنه لم يخرج يريد مكة لأني وجدت في رواية من حديث أبي سعيد فيها خرجنا مع رسول الله - صلّى الله عليه وسل - فأحرمنا فلما كنا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعثه في وجه الحديث اه - . وفي صحيح ابن حبان والبزار والطحاوي من طريق عياض بن عبد الله عن أبي سعيد قال : بعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبا قتادة على الصدقة وخرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا بعسفان فإذا هم بحمار وحش قال : وجاء أبو قتادة وهو حل الحديث . وهذا ظاهره يخالف ما في البخاري على ما لا يخفى لأن قوله : بعث يقتضي أنه لم يكن - خرج مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من المدينة ، لكن يحتمل أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومن معه لحقوا أبا قتادة في بعض الطريق قبل الروحاء فلما بلغوها وأتاهم خبر العدو وجهه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في جماعة لكشف الخبر . ( فانطلق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) لمقصده