أحمد بن محمد القسطلاني

470

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

التقدم لأنها ظرف فيتسع فيه ( أعلم بما كانوا عاملين ) أي أنه علم أنهم لا يعلمون ما يقتضي تعذيبهم ضرورة أنهم غير مكلفين ، وقال ابن قتيبة : أي لو أبقاهم فلا تحكموا عليهم بشيء . وقال غيره : قال ذلك قبل أن يعلم أنهم من أهل الجنة ، وهذا يشعر بالتوقف . وقد روى أحمد هذا الحديث من طريق عمار بن أبي عمار ، عن ابن عباس ، قال : كنت أقول في أولاد المشركين هم منهم ، حتى حدثني رجل عن رجل من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلقيته ، فحدثني عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : ربهم أعلم بهم ، هو خلقهم ، وهو أعلم بما كانوا عاملين . فأمسكت عن قولي . قال في الفتح : فبين أن ابن عباس لم يسمع هذا الحديث من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وفي سند حديث الباب : التحديث الإخبار والعنعنة ، وفيه : مروزيان وواسطيان وكوفي ، وأخرجه أيضًا في : القدر ، وكذا مسلم ، وأبو داود ، والنسائي . 1384 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يَقُولُ : " سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ " . [ الحديث 1384 - طرفاه في : 6598 ، 6600 ] . وبه قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع ، قال : ( أخبرنا شعيب ) هو : ابن أبي حمزة ( عن الزهري ) محمد بن مسلم بن شهاب ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( عطاء بن يزيد الليثي ) بالمثلثة ( أنه سمع أبا هريرة ، رضي الله عنه يقول ) : ( سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، عن ذراري المشركين ) بالذال المعجمة ، وتشديد المثناة التحتية ، جمع : ذرية ، أي : أولادهم الذين لم يبلغوا الحلم ( فقال : الله أعلم بما كانوا عاملين ) . وقد احتج بقوله : الله أعلم بما كانوا عاملين ، بعض من قال إنهم في مشيئة الله . ونقل عن ابن المبارك وإسحاق ونقله البيهقي في الاعتقاد ، عن الشافعي . قال ابن عبد البر : وهو مقتضى صنيع مالك ، وليس عنه في هذه المسألة شيء مخصوص ، إلا أن أصحابه صرحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة ، وأطفال الكفار خاصة في المشيئة . قال : والحجة فيه حديث : الله أعلم بما كانوا عاملين . وروى أحمد ، من حديث عائشة : سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، عن ولدان المسلمين ؟ قال : في الجنة ، وعن أولاد المشركين ؟ قال في النار . فقلت يا رسول الله لم يدركوا الأعمال ! قال : ربك أعلم بما كانوا عاملين ، لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار . لكنه حديث ضعيف جدًّا لأن في إسناده أبا عقيل مولى بهية ، وهو متروك . 1385 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ ، هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ » ؟ وبه قال ( حدّثنا آدم ) بن أبي إياس قال : ( حدّثنا ابن أبي ذئب ) محمد بن عبد الرحمن ( عن ) ابن شهاب ( الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( كل مولود ) من بني آدم ( يولد على الفطرة ) الإسلامية ( فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كمثل البهيمة ) بفتح الميم والمثلثة ( تنتج ) بضم أوله وفتح ثالثه ، مبنيًّا للمفعول أي : تلد ( البهيمة ) سليمة ( هل ترى فيها جدعاء ؟ ) بفتح الجيم وإسكان الدال المهملة والمد ، مقطوعة الأذن ، وإنما يجدعها أهلها . وفيه إشعار بأن أولاد المشركين في الجنة ، فصدر المؤلّف الباب بالحديث الدال على التوقف حيث قال فيه : الله أعلم بما كانوا عاملين . ثم ثنى بهذا الحديث المرجح لكونهم في الجنة ، ثم ثلث بالحديث اللاحق ، المصرح بذلك ، حيث قال فيه : وأما الصبيان حوله فأولاد الناس . وهو عام يشمل أولاد المسلمين وغيرهم . وقد اختلف في هذه المسألة فقيل : إنهم في مشيئة الله ، ونقله البيهقي في الاعتقاد عن الشافعي : في أولاد الكفار خاصة ، وليس عن مالك شيء منصوص في ذلك . نعم ، صرح أصحابه بأن أطفال المسلمين في الجنة ، وأطفال الكفار خاصة في المشيئة . وقيل : إنهم تبع لآبائهم ، فأولاد المسلمين في الجنة وأولاد الكفار في النار . وقيل : إنهم في البرزخ بين الجنة والنار لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنة ، ولا سيئات يدخلون بها النار . وقيل : إنهم خدم أهل الجنة لحديث أبي داود وغيره ، عن أنس ، والبزار من حديث سمرة مرفوعًا : أولاد المشركين خدم الجنة . وإسناده ضعيف . وقيل : يصيرون ترابًا . وقيل : إنهم في النار . حكاه عياض عن الإمام أحمد ، وغلطه ابن تيمية بأنه قول لبعض أصحابه ، ولا يحفظ عن الإمام شيء أصلاً . وقيل : إنهم يمتحنون في الآخرة بأن يرفع الله لهم نارًا فمن دخلها كانت عليه بردًّا وسلامًا . ومن أبى عذب . أخرجه البزار من حديث أنس ، وأبي سعيد ، وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل ، وتعقب بأن الآخرة ليست دار تكليف ، فلا عمل