أحمد بن محمد القسطلاني

450

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

وتكفينه ودفنه ، ولا تجب الصلاة عليه ، بل لا تجوز لعدم ظهور حياته ، وإن سقط لدون أربعة أشهر ، وُوري بخرقة ودفن فقط . ( فإن أبا هريرة رضي الله عنه ) الفاء للتعليل ( كان يحدّث قال النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ما من مولود ) من بني آدم ( إلا يولد على الفطرة ) الإسلامية ، ومن زائدة و : مولود ، مبتدأ ، ويولد خبره ، أي : ما مولود يوجد على أمر من الأمور إلا على الفطرة ( فأبواه ) الضمير للمولود ، والفاء إما للتعقيب ، أو للسببية ، أو جزاء شرط مقدر ، أي إذا تقرر ذلك ، فمن تغير كان سبب تغيره أن أبويه ( يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) إما بتعليمهما إياه وترغيبهما فيه ، أو كونه تبعًا لهما في الذين يكون حكمه حكمهما في الدنيا ، فإن سبقت له السعادة أسلم ، وإلاّ مات كافرًا فإن مات قبل بلوغه الحلم فالصحيح أنه من أهل الجنة ، وقيل : لا عبرة بالإيمان الفطري في الدنيا ، بل الإيمان الشرعي المكتسب بالإرادة والعقل ، فطفل اليهوديين مع وجود الإيمان الفطري محكوم بكفره في الدنيا تبعًا لأبويه ( كما تتتج ) بمثناتين فوقيتين ، أولاهما مضمومة والأخرى مفتوحة ، بينهما نون ساكنة ثم جيم ، مبنيًّا للمفعول أي : تلد ( البهيمة بهيمة ) نصب على المفعولية ( جمعاء ) بفتح الجيم وسكون الميم ممدودًا ، نعت لبهيمة ، لم يذهب من بدنها شيء سميت بذلك لاجتماع أعضائها ( هل تحسون ) بضم أوّله وكسر ثانيه أي : هل تبصرون ( فيها من جدعاء ) ؟ بجيم مفتوحة ودال مهملة ساكنة ممدودًا ، أي : مقطوعة الأذن أو الأنف أو الأطراف . والجملة صفة أو حال . أي : بهيمة مقولاً فيها هذا القول ، أي : كل من نظر إليها قال هذا القول لظهور سلامتها . وكما ، في قوله : كما تنتج ، في موضع نصب على الحال من الضمير المنصوب في : يهوّدانه ، أي : يهوّدان المولود بعد أن خلق على الفطرة ، حال كونه شبيهًا بالبهيمة التي جدعت بعد أن خلقت سليمة ، أو هو صفة لمصدر محذوف ، أي : يغيرانه مثل تغييرهم البهيمة السليمة والأفعال الثلاثة تنازعت في : كما ، على التقديرين . ( ثم يقول أبو هريرة ، رضي الله عنه ) مما أدرجه في الحديث ، كما بينه مسلم في رواية حيث قال : ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم ( - فطرة الله - ) أي : خلقته ، نصب على الإغراء ، أو : المصدر لما دل عليه ما بعدها { الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } [ الروم : 30 ] أي : خلقهم عليها ، وهي : قبول الحق وتمكنهم من إدراكه ، أو : ملة الإسلام فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أداهم إليه ، لأن حسن هذا الدين ثابت في النفوس ، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية ، كالتقليد . وقيل : العهد المأخوذ من آدم وذريته يوم { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } [ الأعراف : 172 ] وقد جزم في تفسير سورة الروم بأن الفطرة : الإسلام . قال ابن عبد البر : وهو المعروف عند عامة السلف . وهذا الحديث منقطع ، لأن ابن شهاب لم يسمع من أبي هريرة ، بل لم يدركه ، ولم يذكره المصنف للاحتجاج ، بل لاستنباطه منه ما سبق من الحكم . وقد ساقه المؤلّف من طريق أخرى ، عنه عن أبي سلمة ، فقال بالسند السابق : 1359 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ » ؟ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } . ( حدّثنا عبدان ) هو عبد الله بن عثمان المروزي قال : ( أخبرنا عبد الله ) بن المبارك قال : ( أخبرنا يونس ) بن يزيد الأيلي ( عن ) ابن شهاب ( الزهري ، قال : أخبرني ) بالإفراد ( أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة ) ظاهره تعميم الوصف المذكور في جميع المولودين ، لكن حكى ابن عبد البر ، عن قوم أنه : لا يقتضي العموم ، واحتجوا بحديث أبي بن كعب ، قال النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرًا . وبما رواه سعيد بن منصور ، يرفعه : إن بني آدم خلقوا طبقات ، فمنهم من يولد مؤمنًا ويحيا مؤمنًا ويموت مؤمنًا ، ومنهم من يولد كافرًا ويحيا كافرًا ويموت كافرًا . ومنهم من يولد مؤمنًا ويحيا مؤمنًا ويموت كافرًا ومنهم من يولد كافرًا ويحيا كافرًا ويموت مؤمنًا قالوا : ففي هذا وفي غلام الخضر ، ما يدل على أن الحديث ليس على عمومه . وأجيب : بأن حديث سعيد بن منصور فيه : ابن جدعان وهو ضعيف ، ويكفي في الرد عليهم حديث أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عند مسلم : ليس مولود يولد إلا على الفطرة ، حتى يعبر عنه لسانه ، وأصرح منه رواية جعفر بن ربيعة بلفظ : كل بني آدم