أحمد بن محمد القسطلاني
448
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
عمر رضي الله عنه وخبأ له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - { يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ } [ الدخان : 10 ] . ( فقال عمر ) بن الخطاب ، ( رضي الله عنه : دعني يا رسول الله أضرب عنقه ) بجزم أضرب ، كما في الفرع جواب الطلب ، ويجوز الرفع ( فقال النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) . ( إن يكنه ) كذا للكشميهني : يكنه . بوصل الضمير ، وهو خبر كان وضع موضع المنفصل ، واسمها مستتر فيه ، للباقين إن يكن هو ، بانفصاله . وهو الصحيح ، لأن المختار في خبر كان الانفصال . تقول : كان إياه ، وهذا هو الذي اختاره ابن مالك في التسهيل ، وشرحه تبعًا لسيبويه ، واختار في ألفيته الاتصال . وعلى رواية الفصل ، فلفظ : هو ، توكيد للضمير المستتر ، وكان تامة أو وضع : هو ، موضع إياه ، أي : إن يكن إياه . وفي مرسل عروة ، عند الحرث بن أبي أسامة : إن يكن هو الدجال ( فلن تسلط عليه ) بالجزم في الفرع ، على لغة من يجزم لن . كما مر وفي غيره بالنصب على الأصل . وفي حديث جابر : فلست بصاحبه ، إنما صاحبه عيسى ابن مريم ( وإن لم يكنه ، فلا خير لك في قتله ) . فإن قلت : لِمَ لم يأذن عليه الصلاة والسلام في قتله مع ادعائه النبوة بحضرته ؟ أجيب : بأنه كان غير بالغ ، أو من جملة أهل العهد ، وأنه لم يصرح بدعوى النبوة ، وإنما أوهم أنه يدّعي الرسالة ، ولا يلزم من دعوى الرسالة دعوى النبوّة ، قال الله تعالى : { أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ } الآية [ مريم : 83 ] . وقد اختلف في أن المسيح الدجال هو : ابن صياد ، أو غيره . ويأتي البحث في ذلك ، إن شاء الله تعالى في محله . والنافي لكونه هو ، يحتج : بأن ابن صياد أسلم ، وولد له ، ودخل مكة والمدينة ، ومات بالمدينة . وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس ، والله أعلم . ورواة هذا الحديث ما بين : مروزي وأيلي ومدني ، وفيه : رواية تابعي عن تابعي عن صحابي ، والتحديث والإخبار ، والعنعنة ، والقول . وأخرجه أيضًا في : بدء الخلق وأحاديث الأنبياء . ومسلم في : الفتن . 1355 - وَقَالَ سَالِمٌ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما - يَقُولُ : " انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ ، فَرَآهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُضْطَجِعٌ ، يَعْنِي فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ ، أَوْ زَمْرَةٌ - فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ ، فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادٍ : يَا صَافِ - وَهْوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ - هَذَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ " . وَقَالَ شُعَيْبٌ فِي حَدِيثِهِ : فَرَفَصَهُ . رَمْرَمَةٌ ، أَوْ زَمْزَمَةٌ . وَقَالَ وعُقَيلٌ : رَمْرَمَةٌ . وَقَالَ مَعْمَرٌ : رَمْزَةٌ . [ الحديث 1355 - أطرافه في : 2638 ، 3033 ، 3056 ، 6174 ] . ( وقال سالم ) أي : ابن عبد الله بن عمر ، بالإسناد الأول : ( سمعت ابن عمر ، رضي الله عنهما ، يقول ) : ثم ( انطلق بعد ذلك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ) أي : بعد انطلاقه هو وعمر في رهط ( وأبي بن كعب ) معه ( إلى النخل التي فيها ابن صياد ، وهو ) أي : والحال أنه عليه الصلاة والسلام ( يختل ) بفتح المثناة التحتية وسكون الخاء المعجمة وكسر الفوقية ، أي : يستغفل ( أن يسمع من ابن صياد شيئًا ) من كلامه الذي يقوله في خلوته ، ليعلم هو وأصحابه أهو كاهن أو ساحر ؟ ( قبل أن يراه ابن صياد ، فرآه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وهو مضطجع ) الواو للحال . ( يعني في قطيفة ) كساء له خمل ، وسقط : يعني في قطيفة ، لأبي ذر ، الله ) أي : لابن صياد ( فيها ) أي : في القطيفة ( رمزة ) براء مهملة مفتوحة فميم ساكنة فزاي معجمة ( أو زمرة ) بالزاي المعجمة ثم الراء المهملة بعد الميم ، على الشك في تقديم أحدهما على الآخر ولبعضهم : رمرمة أو زمزمة على الشك ، هل هو : براءين مهملتين ، أو : بزاءين معجمتين ، مع زيادة ميم فيهما . ومعناها كلها متقارب . فالأولى من الرمز وهو الإشارة ، والثانية من المزمار ، والتي ، بالمهملتين والميمين ، فأصله من الحركة ، وهي هنا بمعنى : الصوت الخفي . وكذا التي بالمعجمتين . وفي القاموس : أنه تراطن العلوج على أكلهم وهم صموت لا يستعملون لسانًا ولا شفة ، لكنه صوت تديره في خياشيمها وحلوقها ، فيفهم بعضها عن بعض . ( فرأت أم ابن صياد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وهو ) أي والحال أنه ( يتقي ) أي : يخفي نفسه ( بجذوع النخل ) بضم الجيم والذال المعجمة ، حتى لا تراه أم ابن صياد ( فقالت لابن صياد ) أمه : ( يا صاف ) بصاد مهملة وفاء مكسورة ( - وهو : اسم ابن صياد - هذا محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فثار ابن صياد ) بالثاء المثلثة والراء آخره ، أي : نهض من مضجعه بسرعة ، وللكشميهني : فثاب ، بالموحدة بدل الراء ، أي : رجع عن الحالة التي كان فيها ( فقال النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لو تركته ) أمه ولم تعلمه بمجيئنا ( بين ) أي : أظهر لنا من حاله ما نطلع به على حقيقة أمره . ( وقال شعيب ) هو : ابن أبي حمزة الحمصي ، مما وصله المؤلّف في : الأدب ( في حديثه : فرفصه ) بفاء بعد الراء