أحمد بن محمد القسطلاني
447
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
بحذف همزة الاستفهام ، فيه عرض الإسلام على الصبي الذي لم يبلغ ، ومفهومه ، أنه لم يصح إسلامه لما عرض - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الإسلام على ابن صياد ، وهو غير بالغ ، ففيه مطابقة الحديث لجزأي الترجمة ، كليهما . ولأبي ذر : لابن صائد ، بتقديم الألف على التحتية ، وكلاهما كان يدعى به ( فنظر إليه ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( ابن صياد فقال : أشهد أنك رسول الأميين ) مشركي العرب ، وكانوا لا يكتبون . أو : نسبة إلى أم القرى ، وفيه إشعار بأن اليهود الذين كان منهم ابن صياد كانوا معترفين ببعثة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لكن يدّعون أنها مخصوصة بالعرب ، وفساد حجتهم واضح ، لأنهم إذا أقروا برسالته استحال كذبه . فوجب تصديقه في دعواه الرسالة إلى كافة الناس . ( فقال ابن صياد للنبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أتشهد ) بإثبات همزة الاستفهام ( أني رسول الله ؟ فرفضه ) النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بالضاد المعجمة ، أي : ترك سؤاله أن يسلم ليأسه منه ، وفي رواية أبي ذر ، عن المستملي : فرفصه ، بالصاد المهملة . وقال المازري : لعله : رفسه ، بالسين المهملة ، أي : ضربه برجله ، لكن قال القاضي عياض : لم أجد هذه اللفظة بالصاد في جماهير اللغة . وقال الخطابي : فرصه ، بحذف الفاء ، بعد الراء . وتشديد الصاد المهملة ، أي ضعثه حتى ضم بعضه إلى بعض . ومنه : { بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } [ الصف : 4 ] وللأصيلي ، مما في الفتح : فرقصه ، بالقاف بدل الفاء ، ولعبدوس : فوقصه بالواو والقاف . ( وقال ) عليه الصلاة والسلام : ( آمنت بالله وبرسله ) قال البرماوي ، كالكرماني : مناسبة هذا الجواب لقول ابن صياد : أتشهد أني رسول الله ، أنه لما أراد أن يظهر للقوم كذبه في دعواه الرسالة ، أخرج الكلام مخرج الإنصاف ، أي آمنت برسل الله ، فإن كنت رسولاً صادقًا غير ملبس عليك الأمر ، آمنت بك . وإن كنت كاذبًا وخلط عليك الأمر فلا . لكنك خلط عليك الأمر فاخسأ ثم شرع يسأله عما يرى ، ( فقال له : ماذا ترى ؟ ) وأراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعواه الرسالة ، ( قال ابن صياد : يأتيني صادق وكاذب ) أي أرى الرؤيا ربما تصدق ، وربما تكذب . قال القرطبي : كان ابن صياد على طريق الكهنة ، يخبر بالخبر فيصح تارة ، ويفسد أخرى ، وفي حديث جابر عند الترمذي ، فقال : أرى حقًّا وباطلاً ، وأرى عرشًا على الماء . ( فقال ) له ( النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خلط عليك الأمر ) بضم الخاء المعجمة وتشديد اللام المكسورة ، وروي تخفيفها ، كما في الفرع وأصله ، أي : خلط عليك شيطانك ما يلقي إليك . ( ثم قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إني قد خبأت لك ) أي : أضمرت لك في صدري ( خبيئًا ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية ثم همزة بوزن فعيل ، ولأبي ذر : خبئًا ، بفتح الخاء وسكون الموحدة ، وإسقاط التحتية أي : شيئًا . وفي حديث زيد بن حارثة ، عند البزار ، والطبراني في الأوسط : كان رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، خبأ له سورة الدخان ، وكأنه أطلق السورة وأراد بعضها . فعند أحمد في حديث الباب : وخبأ له { يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ } [ الدخان : 10 ] . ( فقال ابن صياد : هو الدخ ) بضم الدال المهملة ثم خاء معجمة . وفي حديث أبي ذر ، عند البزار ، وأحمد : فأراد أن يقول : الدخان ، فلم يستطع فقال الدخ . اه - . أي : لم يستطع أن يتم الكلمة ، ولم يهتد من الآية الكريمة إلا لهذين الحرفين ، على عادة الكهان من اختطاف بعض الكلمات من أوليائهم من الجن ، أو من هواجس النفس . ( فقال ) له عليه الصلاة والسلام : ( اخسأ ) بهمزة وصل آخره همزة ساكنة ، لفظ يزجر به الكلب ، ويطرد أي : اسكت صاغرًا مطرودًا ( فلن تعدو قدرك ) بنصب تعدو : بلن ، وفي بعض النسخ ، مما حكاه السفاقسي : لن تعد ، بغير واو فقيل : حذفت تخفيفًا ، أو أنّ : لن ، بمعنى : لا ، أو : على لغة من يجزم بلن ، وهي لغة حكاها الكسائي ، وتعدو بالمثناة الفوقية : فقدرك ، نصب أو : بالتحتية ، فرفع أي : لا يبلغ قدرك أن تطالع بالغيب من قبل الوحي المخصوص بالأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، ولا من قبل الإلهام الذي يدركه الصالحون ، وإنما قال ابن صياد ذلك ، من شيء ألقاه أليه الشيطان ، إما لكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، تكلم بذلك بينه وبين نفسه ، فسمعه الشيطان . أو حدّث - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بعض أصحابه ، بما أضمره . ويدل لذلك قول