أحمد بن محمد القسطلاني
412
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
فقالت : يا أبا طلحة ، أرأيت لو أن قومًا أعاروا أهل بيت عارية ، فطلبوا عاريتهم ، ألهم أن يمنعوهم ؟ قال : لا ، قالت : فاْحتسب ابنك . قال : فغضب ، وقال : تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني بابني . وفي رواية عبد الله فقالت : يا أبا طلحة ، أرأيت قومًا أعاروا متاعًا ، ثم بدا لهم فيه فأخذوه ، فكأنهم وجدوا في أنفسهم ، زاد حماد في روايته عن ثابت : فأبوا أن يردّوها ، فقال أبو طلحة : ليس لهم ذلك إن العارية مؤدّاة إلى أهلها ، ثم اتفقا ، فقالت : إن الله أعارنا غلامًا ، ثم أخذه منا . زاد حماد : فاسترجع ( فصلّى مع النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثم أخبر النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بما كان منهما ) بالتثنية ، وللكشميهني : منها بضمير المؤنثة المفردة ( فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما ) لعل : هنا ، بمعنى : عسى ، بدليل دخول أن على خبره ، ولأبي ذر ، والأصيلي ، وابن عساكر : لهما في ليلتهما بضمير الغائب ، وفي رواية أنس بن سيرين : اللهم بارك لهما . . . وفيه تنبيه على أن المراد بقوله : أن يبارك ، وإن كان لفظه لفظ الخبر ، الدعاء . وزاد في رواية أنس بن سيرين : فولدت غلامًا . وفي رواية عبد الله بن عبد الله : فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة . ( قال سفيان ) بن عيينة بالإسناد المذكور . ( فقال رجل من الأنصار ) هو : عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج ، كما عند البيهقي ، وسعيد بن منصور : ( فرأيت لها تسعة أولاد ، كلهم قد قرأ القرآن ) . كذا في رواية أبي ذر ، والأصيلي ، ولابن عساكر ولغيرهم : فرأيت لهما أي : من ولد ولدهما عبد الله الذي حملت به تلك الليلة من أبي طلحة ، كما في رواية عباية ، عند سعيد بن منصور ، ومسدد ، والبيهقي ، بلفظ : فولدت له غلامًا . قال عباية : فلقد رأيت لذلك الغلام سبعة بنين . قال ابن حجر : ففي رواية سفيان تجوّز في قوله : لهما ، أي على رواية ثبوتها ، لأن ظاهره أنه من ولدهما ، بغير واسطة ، وإنما المراد من أولاد ولدهما . وتعقبه العيني بعد أن ذكر عبارته بلفظ : لهما ، فقال : لا نسلم التجوز في رواية سفيان ، لأنه ما صرح في قوله . قال رجل من الأنصار فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن ولم يقل : رأيت منهما أو : لهما تسعة . اه - . فاْنظر وتعجب من هذا التعقب . ووقع في رواية سفيان هنا : تسعة أولاد ، بتقديم الفوقية على السين . وفي رواية عباية المذكور : سبعة بنين كلهم قد ختم القرآن بتقديم السين على الموحدة فقيل : إحداهما تصحيف ، أو أن المراد بالسبعة من ختم القرآن كله ، وبالتسعة من قرأ معظمه . وذكر ابن المديني من أسماء أولاد عبد الله بن أبي طلحة ، وكذا ابن سعد ، وغيره ، من أهل العلم بالأنساب ، من قرأ القرآن وحمل العلم : إسحاق ، وإسماعيل ، ويعقوب ، وعمير ، وعمرو ومحمد ، وعبد الله ، وزيد والقاسم . وهذا الحديث أخرجه مسلم . 43 - باب الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى . وَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه - : نِعْمَ الْعِدْلاَنِ وَنِعْمَ الْعِلاَوَةُ { الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ } ( باب : الصبر عند الصدمة الأولى ) . ( وقال عمر ) بن الخطاب ( رضي الله عنه ) مما وصله الحاكم في مستدركه : ( نعم العدلان ) بكسر العين وسكون الدال المهملتين ، ونعم : بكسر النون وسكون العين ، كلمة مدح ، وتاليها فاعلها ( ونعم العلاوة ) بكسر العين أيضًا عطف على سابقه ، والعدل أصله نصف الحمل على أحد شقي الدابة ، والحمل العدلان . والعلاوة ما يجعل بين العدلين ، فهو مثل ضرب للجزاء في قوله : ( { الذين إذا أصابتهم مصيبة } ) مما يصيب الإنسان من مكروه ( { قالوا : إنّا لله } ) عبيدًا وملكًا ( { وإنا إليه راجعون } ) في الآخرة فلا يضيع عمل عامل ، وليس الصبر المذكور أول آية الاسترجاع باللسان ، بل وبالقلب . بأن يتصور ما خلق له ، وأنه راجع إلى ربه ، ويتذكر نعمه عليه ، ليرى أن ما أبقي عليه أضعاف ما استردّ منه ، ليهوّن على نفسه ويستسلم له ، والمبشر به محذوف دل عليه قوله : ( { أولئك عليهم صلوات } ) مغفرة أو ثناء ( { من ربهم ورحمة } ) وهما العدلان . كما قاله المهلب ، ورواه الحاكم في روايته المذكورة موصولاً عن عمر بلفظ : أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة نعم العدلان . ( { وأولئك هم المهتدون } ) [ البقرة : 156 - 157 ] نعم العلاوة . وكذا أخرجه البيهقي عن الحاكم . وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره من وجه آخر ، قال الزين بن المنير : ويؤيده وقوعها بعد : على المشعرة بالفوقية ، المشعرة بالحمل . وهو عند أهل البيان من باب