أحمد بن محمد القسطلاني
413
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
الترشيح للمجاز ، وذلك أنه لما كانت الآية { أولئك عليهم . . . } كذا وكذا ، ولفظة : على ، تعطي الحمل ، عبر عمر رضي الله عنه بهذه العبارة ، وقيل : العدلان : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والعلاوة الثواب عليهما وغير ذلك والأولى أولى ، كما لا يخفى . واعلم أن الصبر ذكر في القرآن العظيم في : خمسة وتسعين موضعًا ، ومن أجمعها هذه الآية ومن آنقها { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا } [ ص : 44 ] قرن : هاء الصابر بنون العظمة ومن أبهجها قوله : { وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ( 23 ) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ } [ الرعد : 23 ، 24 ] . ( وقوله تعالى ) بالجر ، عطفًا على باب الصبر ، أي : وباب قوله : ( { واستعينوا } ) على حوائجكم ( { بالصبر } ) أي بانتظار النجح والفرج توكلاً على الله تعالى أو بالصوم الذي هو صبر عن المفطرات ، لما فيه من كسر الشهوة وتصفية النفس ( { والصلاة } ) بالالتجاء إليها ، فإنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية ، من الطهارة وستر العورة ، وصرف المال فيهما ، والتوجه إلى الكعبة ، والعكوف للعبادة ، وإظهار الخشوع بالجوارح ، وإخلاص النية بالقلب ، ومجاهدة الشيطان ، ومناجاة الحق ، وقراءة القرآن ، والتكلم بالشهادتين ، وكف النفس عن الأطيبين ، حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب ( { وإنها } ) أي : الاستعانة بهما ، أو : الصلاة وتخصيصها بردّ الضمير إليها لعظم شأنها ، واستجماعها ضروبًا من الصبر ( { لكبيرة } ) لثقيلة شاقة ( { إلا على الخاشعين } ) [ البقرهّ : 45 ] المخبتين ، والخشوع الاخبات . وأخرج أبو داود ، بإسناد حسن ، عن حذيفة ، قال : كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا حز به أمر صلى . ومن أسرار الصلاة أنها تعين على الصبر لما فيها من الذكر والدعاء والخضوع . 1302 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى » . وبالسند قال : ( حدّثنا محمد بن بشار ) بفتح الموحدة والشين المعجمة المشددة ، قال : ( حدّثنا غندر ) هو لقب محمد بن جعفر ، قال : ( حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( عن ثابت ) البناني ( قال : سمعت أنسًا ) هو : ابن مالك ( رضي الله عنه ) يقول ( عن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قال ) : ( الصبر ) الكثير الثواب ، الصبر ( عند الصدمة الأولى ) فإن مفاجأة المصيبة بغتة لها روعة تزعزع القلب ، وتزعجه بصدمتها ، فإن صبر للصدمة الأولى انكسرت حدتها ، وضعفت قوتها ، فهان عليه استدامة الصبر ، فأما إذا طالت الأيام على المصاب ، وقع السلو وصار الصبر ، حينئذ طبعًا ، فلا يؤجر عليه مثل ذلك ، والصابر على الحقيقة من صبر نفسه ، وحبسها عن شهواتها ، وقهرها عن الحزن والجزع ، والبكاء الذي فيه راحة النفس ، وإطفاء نار الحزن ، فإذا قابل فيها سورة الحزن وهجومه ، بالصبر الجميل ، وتحقق أنه لا خروج له عن قضائه تعالى ، وأنه يرجع إليه ، وعلم يقينًا أن الآجال لا تقديم فيها ولا تأخير ، وأن المقادير بيده تعالى ومنه استحق حينئذ جزيل الثواب ، فضلاً منه تعالى . وعدّ من الصابرين الذين وعدهم الله بالرحمة والمغفرة . وإذا جزع ولم يصبر ، أثم وأتعب نفسه ، ولم يرد من قضاء الله شيئًا ، ولو لم يكن من فضل الصبر للعبد إلا الفوز بدرجة المعية والمحبة ، إن الله مع الصابرين ، إن الله يحب الصابرين ، لكفى . فنسأل الله العافية والرضا . واعلم أن المصيبة كير العبد الذي يسبك فيه حاله ، فإما أن يخرج ذهبًا أحمر ، وإما أن يخرج خبثًا كله ، كما قيل : سبكناه ونحسبه لجينًا . . . فأبدى الكير عن خبث الحديد فإن لم ينفعه هذا الكير في الدنيا ، فبين يديه الكير الأعظم ، فإذا علم العبد أن إدخاله كير الدنيا ومسبكها خير له من ذلك الكير والمسبك ، وأنه لا بد له من أحد الكيرين ، فليعلم قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل ، فالعبد إذا امتحنه الله بمصيبة فصبر عند الصدمة الأولى ، فليحمد الله تعالى على أن أهلّه لذلك وثبته عليه . وقد اختلف : هل المصائب مكفرات أو مثيبات ؟ فذهب الشيخ عز الدّين بن عبد السلام في طائفة ، إلى أنه : إنما يثاب على الصبر عليها ، لأن الثواب إنما يكون على فعل العبد ، والمصائب لا صنع له فيها ، وقد يصيب الكافر مثل ما يصيب المسلم ، وذهب آخرون إلى أنه يثاب عليها لآية ، ولا ينالون من عدوّ نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح . وحديث الصحيحين : والذي نفسي بيده