أحمد بن محمد القسطلاني

411

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

منه ) . 42 - باب مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ : الْجَزَعُ الْقَوْلُ السَّيِّئُ وَالظَّنُّ السَّيِّئُ وَقَالَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ } ( باب من لم يظهر حزنه عند ) حلول ( المصيبة ) فترك ما أبيح له من إظهاره قهرًا للنفس بالصبر الذي هو خير ، قال الله تعالى : { وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ } ويظهر : بضم أوله ، من الرباعي ، وحزنه : نصب على المفعولية . ( وقال محمد بن كعب القرظي ) حليف الأوس : ( الجزع : القول السيئ ) الذي يبعث الحزن غالبًا ( والظن السيئ ) هو : اليأس من تعويض الله المصاب في العاجل ما هو أنفع له من الفائت ، أو : الاستبعاد لحصول ما وعد به من الثواب على الصبر . ومناسبة هذا لما ترجم له من حيث المقابلة ، وهي ذكر الشيء وما يضادّه معه ، وذلك أن ترك إظهار الحزن من القول الحسن ، والظن الحسن وإظهاره مع الجزع الذي يؤديه إلى ما حظره الشارع ، قول سيئ وظن سيئ . ( وقال يعقوب عليه السلام { إنما أشكو بثي } ) هو أصعب هم لا يصبر صاحبه على كتمانه ، فيبثه وينشره للناس ( { وَحُزْنِي إِلَى الله } ) [ يوسف : 86 ] لا إلى غيره . ومناسبته للترجمة من جهة أنه لما ابتلي صبر ، ولم يشك إلى أحد ولا بث حزنه إلا إلى الله تعالى . 1301 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ : " اشْتَكَى ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ ، قَالَ فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ . فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ . فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ : كَيْفَ الْغُلاَمُ ؟ قَالَتْ : قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ . وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ . قَالَ فَبَاتَ . فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا كَانَ مِنْهُمَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا " . قَالَ سُفْيَانُ : فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ : فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلاَدٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ . [ الحديث 1301 - طرفه في : 5470 ] . وبه قال : ( حدّثنا بشر بن الحكم ) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة والحكم بفتحتين النيسابوري ، قال : ( حدّثنا سفيان بن عيينة ) قال : ( أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ) الأنصاري ابن أخي أنس ( أنه سمع أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، يقول ) : ( اشتكى ) أي : مرض ( ابن لأبي طلحة ) زيد بن سهل الأنصاري ، وابنه هو : أبو عمير ، صاحب النغير ، كما قاله ابن حبان في روايته ، وغيره ، وكان غلامًا صبيحًا ، وكان أبو طلحة يحبه حبًّا شديدًا ، فلما مرض حزن عليه حزنًا شديدًا حتى تضعضع ( قال : فمات ، وأبو طلحة خارج ، فلما رأت امرأته ) أم سليم ، وهي أم أنس بن مالك ( أنه قد مات هيأت شيئًا ) أعدت طعامًا ، وأصلحته أو هيأت شيئًا من حالها ، وتزينت لزوجها تعريضًا للجماع ، أو هيأت أمر الصبي بأن غسلته وكفنته وحنطته ، وسجت عليه ثوبًا ، كما في بعض طرق الحديث ، فهو أولى ( ونحته ) بفتح النون والحاء المهملة المشدّدة ، أي : جعلته ( في جانب البيت ، فلما جاء أبو طلحة قال ) لها : ( كيف الغلام ؟ قالت : قد هدأت ) أي : سكنت ( نفسه ) بسكون الفاء واحدة الأنفس . تعني : أن نفسه كانت قلقة منزعجة لعارض المرض ، فسكنت بالموت . وظن أبو طلحة أن مرادها : سكنت بالنوم لوجود العافية ، ولأبي ذر : هذا بإسقاط التاء ، نفسه ، بفتح الفاء ، واحد الأنفاس ، أي سكن . لأن المريض يكون نفسه عاليًا فإذا زال مرضه سكن . وكذا إذا مات . وفي رواية معمر ، عن ثابت : أمسى هادئًا ( وأرجو أن يكون قد استراح ) تعني أم سليم : من نكد الدنيا وتعبها ، ولم تجزم بكونه استراح أدبًا ، أو : لم تكن عالمة أن الطفل لا عذاب عليه ، ففوّضت الأمر إلى الله تعالى ، مع وجود رجائها بأنه استراح من نكد الدنيا . قال أنس : ( وظن أبو طلحة أنها صادقة ) بالنسبة إلى ما فهمه من كلامها وإلا فهي صادقة بالنسبة إلى ما أرادت مما هو في نفس الأمر ، ولذا ورد : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ، والمعاريض هي ما احتمل معنيين ، وهذا من أحسنها ، فإنها أخبرت بكلام لم تكذب فيه ، لكن ورّت به عن المعنى الذي كان يحزنها ، ألا ترى أن نفسه قد هدأت ، كما قالت بالموت واْنقطاع النفس ، وأوهمته أنه استراح من قلقه ، وإنما هو : من هم الدنيا . وفيه مشروعية المعاريض الموهمة إذا دعت الضرورة إليها ، وشرط جوازها أن لا تبطل حق مسلم . ( قال ) أنس ( فبات ) معها أي : جامعها ( فلما أصبح اغتسل ) . وفي رواية أنس بن سيرين : فقربت إليه العشاء ، فتعشى ، ثم أصاب منها . وفي رواية حماد بن ثابت : ثم تطيبت . وزاد جعفر عن ثابت : فتعرضت له حتى وقع بها ، وفي رواية سليمان عن ثابت : ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك ، فوقع بها . وليس ما صنعته من التنطع ، وإنما فعلته إعانة لزوجها على الرضا والتسليم ، ولو أعلمته بالأمر في أول الحال لتنكد عليه وقته ، ولم يبلغ الغرض الذي أرادته منه ، ولعلها عند موت الطفل قضت حقه من البكاء اليسير . ( فلما أراد ) أبو طلحة ( أن يخرج ، أعلمته أنه قد مات ) قال في الفتح : زاد سليمان بن المغيرة ، كما عند مسلم