أحمد بن محمد القسطلاني

407

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

له ، أو على الإكثار منه دون ما عدا ذلك ، فما زال كثير من الصحابة وغيرهم من العلماء يفعلونه ، وقد قالت فاطمة - رضي الله عنها - بنت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ماذا على من شم تربة أحمد . . . أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت علي مصائب لو أنها . . . صبت على الأيام عدن لياليا 1295 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه - قَالَ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي ، فَقُلْتُ : إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ ، وَأَنَا ذُو مَالٍ ، وَلاَ يَرِثُنِي إِلاَّ بِنْتٌ ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَىْ مَالِي ؟ قَالَ : لاَ . فَقُلْتُ : بِالشَّطْرِ ؟ فَقَالَ : لاَ . ثُمَّ قَالَ : الثُّلُثُ وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ - أَوْ كَثِيرٌ - إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا ، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ قَالَ : إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاً صَالِحًا إِلاَّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ، وَلاَ تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ . يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ " . وبالسند قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ، قال : ( أخبرنا مالك ) الإمام ( عن ابن شهاب ) الزهري ( عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه ) سعد ( رضي الله عنه ، قال ) : ( كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يعودني ) بالدال المهملة ( عام حجة الوداع ) سنة عشر من الهجرة ( من وجع ) اسم لكل مرض ( اشتدّ بي ) أي : قوي علي ( فقلت : إني قد بلغ بي من الوجع ) الغاية ( وأنا ذو مال ولا يرثني ) من الولد ( إلا بنت ) كذا كتب في اليونينية بالتاء المثناة الفوقية المجرورة لا بالهاء . قيل : هي عائشة ، وقيل : إنها أم الحكم الكبرى . قيل : ما كانت له عصبة ، وقيل ، معناه : لا يرثني من أصحاب الفروض سواها ، وقيل : من النساء . وهذا قاله قبل أن يولد له المذكور ، ( أفأتصدق بثلثي مالي ؟ ) بهمزة الاستفهام على الاستخبار . ( قال ) عليه الصلاة والسلام : ( لا ) تتصدق بالثلثين ( فقلت ) : أتصدق ( بالشطر ) أي : بالنصف وللحموي والمستملي : فالشطر ، بالفاء والرفع بالابتداء والخبر محذوف ، تقديره : فالشطر أتصدق به ، وقيده الزمحشري في الفائق ، بالنصب بفعل مضمر أي : أوجب الشطر ، وقال السهيلي في أماليه : الخفض فيه أظهر من النصب ، لأن النصب بإضمار أفعل ، والخفض معطوف على قوله : بثلثي مالي : ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( لا ) تتصدق بالشطر ، ( ثم قال ) عليه الصلاة والسلام : ( الثلث ) بالرفع ، فاعل فعل محذوف ، أي : يكفيك الثلث ، أو خبر مبتدأ محذوف أي : المشروع الثلث ، أو مبتدأ حذف خبره ، أي : الثلث كاف . والنصب على الإغراء ، أو بفعل مضمر أي : أعط الثلث ( والثلث كبير ) بالموحدة مبتدأ وخبر - ( أو ) قال : ( كثير ) - بالمثلثة ( إنك أن تذر ) بالذال المعجمة وفتح الهمزة في اليونينية : تترك ( ورثتك أغنياء ، خير من أن تذرهم عالة ) فقراء ( يتكففون الناس ) يطلبون الصدقة من أكف الناس ، أو يسألونهم بأكفهم . و : أن تذر ، بفتح الهمزة على أنها مصدرية ، فهي وصلتها في محل رفع على الابتداء ، والخبر : خير ، وبالكسر على أنها شرطية . والأصل كما قاله ابن مالك : إن تركت ورثتك أغنياء فخير ، أي : فهو خير لك ، فحذف الجواب كقوله تعالى : { إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ } [ البقرة : 180 ] أي : فالوصية على ما خرجه الأخفش ، ثم عطف على قوله : إنك أن تذر . . . ما هو علة للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث . فقال : ( وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله ) أي : ذاته ( إلا أجرت ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول ( بها ) أي : بتلك النفقة ( حتى ما تجعل ) أي : الذي تجعله ( في في امرأتك ) وقول الزركشي ، كابن بطال : تجعل ، برفع اللام و : ما كافة كفت حتى عن عملها . تعقبه صاحب مصابيح الجامع فقال : ليس كذلك ، إذ لا معنى للتركيب حينئذ إن تأملت ، بل اسم موصول ، وحتى : عاطفة أي : إلا أجرت بتلك النفقة التي تبتغي بها وجه الله ، حتى بالشيء الذي تجعله في فم امرأتك . ثم أورد على نفسه سؤالاً ، فقال : فإن قلت : يشترط في حتى العاطفة على المجرور أن يعاد الخافض ؟ وأجاب : بأن ابن مالك قيده بأن لا تتعين : حتى ، للعطف نحو : عجبت من القوم حتى بنيهم . قال ابن هشام : يريد أن الموضع الذي يصح أن تحل : إلى ، فيه محل : حتى ، العاطفة فهي محتملة للجارة ، فيحتاج حينئذ إلى إعادة الجار عند قصد العطف ، نحو : اعتكفت في الشهر حتى في آخره بخلاف المثال ، وما في الحديث . ثم أورد سؤالاً آخر ، فقال : فإن قلت : لا يعطف على الضمير المخفوض ، إلا بإعادة الخافض ؟ وأجاب : بأن المختار عند ابن مالك ، وغيره خلافه ، وهو المذهب الكوفي لكثرة شواهده نظمًا ونثرًا ، على أنه لو جعل العطف على المنصوب المتقدم ، أي : لن تنفق نفقة حتى الشيء الذي تجعله في في امرأتك إلا أجرت . لاستقام . ولم يرد شيء