أحمد بن محمد القسطلاني
408
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
مما تقدم . وفيه : أن المباح إذا قصد به وجه الله صار طاعة ، ويثاب عليه ، وقد نبه عليه بأخس الحظوظ الدنيوية التي تكون في العادة عند الملاعبة ، وهو وضع اللقمة في فم الزوجة ، فإذا قصد بأبعد الأشياء عن الطاعة وجه الله ، ويحصل به الأجر فغيره بالطريق الأولى . قال سعد ( فقلت ) : ولأبي ذر ، وابن عساكر : قلت : ( يا رسول الله أخلف ) بضم الهمزة وفتح اللام المشددة مبنيًّا للمفعول ، يعني بمكة ، بعد أصحابي المنصرفين معك ، وللكشميهني : أأخلف بهمزة الاستفهام ( بعد أصحابيّ ؟ قال ) عليه الصلاة والسلام : ( إنك لن ) وللكشميهني : أن ( تخلف ) بعد أصحابك ( فتعمل عملاً صالحًا إلا ازددت به ) أي : بالعمل الصالح ( درجة ورفعة ، ثم لعلك أن تخلف ) أي : بأن يطول عمرك ، أي : إنك لن تموت بمكة ، وهذا من إخباره عليه الصلاة والسلام بالمغيبات ، فإنه عاش حتى فتح العراق . ولعل : للترجي إلا إذا وردت عن الله ورسوله ، فإن معناها التحقيق . قال البدر الدماميني : وفيه دخول أن ، على خبر لعل ، وهو قليل ، فيحتاج إلى التأويل ( حتى ينتفع بك أقوام ) من المسلمين بما يفتحه الله على يديك من بلاد الشرك ، ويأخذه المسلمون من الغنائم " ويضر بك آخرون " من المشركين الهالكين على يديك وجندك ( اللهم أمض ) بهمزة قطع ، من الإمضاء وهو الإنفاذ ، أي أتتم ( لأصحابي هجرتهم ) أي : التي هاجروها من مكة إلى المدينة ( ولا تردّهم على أعقابهم ) بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم ، فيخيب قصدهم . قال الزهري ، فيما رواه أبو داود الطيالسي ، عن إبراهيم بن سعد عنه ( لكن البائس ) بالموحدة والهمزة آخره سين مهملة ، الذي عليه أثر البؤس أي : شدة الفقر والحاجة ( سعد بن خولة يرثي له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بفتح المثناة التحتية وسكون الراء وبالمثلثة من يرثي ( أن مات بمكة ) بفتح الهمزة أي : لأجل موته بالأرض التي هاجر منها ، ولا يجوز الكسر على إرادة الشرط ، لأنه كان انقضى وتم ؛ وهذا موضع الترجمة . لكن نازع الإسماعيلي المؤلّف بأن هذا ليس من مراثي الوتى ، وإنما هو من إشفاق النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، من موته بمكة بعد هجرته منها ، وكان يهوى أن يموت بغيرها ، وكراهة ما حدث عليه من ذلك ، كقولك : أن أرثي لك مما جرى عليك ، كأنه يتحزن عليه . قال الزركشي : ثم هو بتقدير تسليمه ، ليس بمرفوع ، وإنما هو مدرج من قول الزهري . وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في : المغازي ، والدعوات ، والهجرة ، والطب ، والفرائض ، والوصايا ، والنفقات ، ومسلم في : الوصايا ، وكذا أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة . 38 - باب مَا يُنْهَى مِنَ الْحَلْقِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ ( باب ما ينهى عن الحلق عند المصيبة ) . 1296 - وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - قَالَ : " وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ ، وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ " . ( وقال الحكم بن موسى ) القنطري بفتح القاف وسكون النون ، البغدادي ، مما وصله مسلم في صحيحه ، وكذا ابن حبان . ومثل هذا يكون على سبيل المذاكرة لا بقصد التحمل ، ولأبوي : ذر ، والوقت ، كما في الفرع : حدّثنا الحكم . لكن قال الحافظ ابن حجر : إنه وهم ، لأن الذين جمعوا رجال البخاري في صحيحه أطبقوا على ترك ذكره في شيوخه ، فدلّ على أن الصواب رواية الجماعة بصيغة التعليق ، قال : ( حدّثنا يحيى بن حمزة ) قاضي دمشق ( عن عبد الرحمن بن جابر ) الأزدي ، ونسبه إلى جده ، واسم أبيه يزيد ( أن القاسم بن مخيمرة ) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية وبعد الميم المكسورة راء مهملة مصغرًا ، وهو كوفي سكن البصرة ( حدثه قال : حدثني ) بالإفراد ( أبو بردة ) بضم الموحدة ، عامر أو الحرث ( بن أبي موسى ) الأشعري ( رضي الله عنه قال ) : ( وجع ) بكسر الجيم ، أي : مرض أبي ( أبو موسى وجعًا ) بفتح الجيم زاد ابن عساكر : شديدًا ( فغشي عليه ، ورأسه في حجر امرأة من أهله ) بتثليث حاء حجر كما في القاموس ، أي : حضنها . زاد مسلم : فصاحت ؛ وله من وجه آخر : أغمي على أبي موسى ، فأقبلت امرأته ، أم عبد الله ، تصيح برنة . وفي النسائي ، هي : أم عبد الله بنت أبي دومة ، وفي تاريخ البصرة ، لعمر بن شبة : أن اسمها صفية بنت دمون . وأن ذلك وقع حيث كان أبو موسى أميرًا على البصرة من قبل عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ؛ والواو في قوله : ورأسه ، للحال ( فلم يستطع ) أبو