أحمد بن محمد القسطلاني

406

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

صوت ) امرأة ( صائحة فقال ) : ( من هذه ) المرأة الصائحة ؟ ( فقالوا : ابنة عمرو ) فاطمة ( - أو أخت عمرو - ) شك من سفيان ، فإن كانت بنت عمرو ، وتكون أخت المقتول عمة جابر ، وإن كانت أخت عمرو ، تكون عمة المقتول ، وهو عبد الله ( قال ) عليه الصلاة والسلام : ( فلم تبكي ؟ ) بكسر اللام وفتح الميم استفهام عن غائبة ( أو لا تبكي ) شك من الراوي . هل استفهم أو نهى ( فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها ) وللحموي والمستملي : تظل بأجنحتها ( حتى رفع ) فلا ينبغي أن يبكى عليه مع حصول هذه المنزلة ، بل يفرح له بما صار إليه . ومطابقة هذا الحديث للترجمة السابقة في قوله ، عليه الصلاة والسلام ، لما سمع صوت المرأة الصائحة : من هذه ؟ لأنه إنكار في نفس الأمر وإن لم يصرح به . 36 - باب لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ هذا ( باب ) بالتنوين ( ليس منا من شق الجيوب ) . 1294 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ الْيَامِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه - قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ » . [ الحديث 1294 - أطرافه في : 1297 ، 1298 ، 3519 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا أبو نعيم ) الفضل بن دكين ، قال : ( حدّثنا سفيان ) النووي ، قال : ( حدّثنا زبيد ) بزاي مضمومة وموحدة مفتوحة ، ابن الحرث بن عبد الكريم ، ( اليامي ) بمثناة تحتية وبميم مخففة ، من بني يام ، وللحموي والمستملي ، وعزاها في الفتح ، والعمدة للكشميهني : الأيامي ، بزيادة همزة في أوله ( عن إبراهيم ) النخعي ( عن مسروق ) هو : ابن الأجدع ( عن عبد الله ) بن مسعود ( رضي الله عنه ، قال : قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( ليس منا ) أي : من أهل سنتنا ، ولا من المهتدين بهدينا ، وليس المراد خروجه عن الدين ، لأن المعاصي لا يكفر بها عند أهل السنة . نعم ، يكفر باعتقاد حلها ، وعن سفيان : أنه كره الخوض في تأويله ، وقال : ينبغي أن يمسك عنه ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر ( من لطم الخدود ) كبقية الوجوه ، والخدود : جمع خدّ . قال في العمدة : وإنما جمع وإن كان ليس للإنسان إلا خدّان . فقط باْعتبار إرادة الجمع ، فيكون من مقابلة الجمع بالجمع ، وإما على حد قوله تعالى : { وَأَطْرَافَ النَّهَارِ } [ طه : 130 ] وقول العرب : شابت مفارقه ، وليس إلا مفرق واحد . ( وشق الجيوب ) بضم الجيم جمع جيب من جابه أي قطعه . قال تعالى : { وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ } [ الفجر : 9 ] وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس للبسه ، وفي رواية : من الكم ، بل كاف كما في اليونينية ( ودعا بدعوى ) أهل ( الجاهلية ) . وهي زمان الفترة قبل الإسلام ، بأن قال في بكائه ما يقولون ، مما لا يجوز شرعًا ك - : واجبلاه ، واعضداه . وخص الجيب بالذكر في الترجمة ، دون أخويه ، تنبيهًا على أن النفي الذي حاصله التبري يقع بكل واحد من الثلاثة ، ولا يشترط فيه وقوعها معًا ، ويؤيده رواية لمسلم بلفظ : أو شق الجيوب ، أو دعا . . . الخ . ولأن شق الجيب أشدّها قبحًا مع ما فيه من خسارة المال في غير وجه . ويستفاد من قوله ، في حديث أبي موسى الآتي ، إن شاء الله تعالى ، بعد باب : أنا بريء ممن برئ منه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، تفسير النهي هنا به . وأصل البراءة الانفصال من الشيء ، فكأنه توعده بأنه لا يدخله في شفاعته ، مثلاً . وهذا يدل على تحريم ما ذكر من شق الجيب وغيره ، وكأن السبب في ذلك ما تضمنه من عدم الرضا بالقضاء ، فإن وقع التصريح باستحلاله مع العلم بتحريم التسخط مثلاً بما وقع ، فلا مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين ، قاله في الفتح . ورواة هذا الحديث كوفيون ، وفيه : رواية تابعي عن تابعي عن صحابي ، والتحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه أيضًا في : مناقب قريش ، والجنائز ومسلم في : الإيمان ، والترمذي في الجنائز ، وكذا النسائي وابن ماجة . 37 - باب رَثَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْدَ ابْنَ خَوْلَةَ هذا ( باب ) بالتنوين ( رثى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بفتح الراء مع القصر بلفظ الماضي ، ورفع النبي على الفاعلية ، ولأبي ذر ، والأصيلي : باب رثاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بإضافة باب لتاليه ، وكسر راء رثاء ، وتخفيف المثلثة ، والمد وخفض تاليه بالإضافة ( سعد بن خولة ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو ، نصب على المفعولية . والمراد هنا : توجعه عليه الصلاة والسلام وتحزنه على سعد ، لكونه مات بمكة بعد الهجرة منها ، لا مدح الميت وذكر محاسنه ، الباعث على تهييج الحزن ، وتجديد اللوعة ، إذ الأول مباح ، بخلاف الثاني فإنه منهي عنه . وقد أطلق الجوهري الرثاء على عد محاسن الميت مع البكاء ، وعلى نظم الشعر فيه . والأوجه حمل النهي على ما فيه تهييج الحزن ، كما مر ، أو على ما يظهر فيه تبرم ، أو على فعله مع الاجتماع