أحمد بن محمد القسطلاني

403

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

عليه . . . الحديث ، أي : سواء كان الباكي من أهل الميت أم لا ، فليس الحكم مختصًّا بأهله ، وقوله : ببكاء أهله ، خرج مخرج الغالب ، لأن المعروف أنه إنما يبكي على الميت أهله ، ووقع في بعض طرق حديث ابن عمر هذا ، عند ابن أبي شيبة : من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة ، فيحمل المطلق في حديث الباب على هذا المقيد . 1287 - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - : قَدْ كَانَ عُمَرُ - رضي الله عنه - يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ ، ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ : صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ - رضي الله عنه - مِنْ مَكَّةَ ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ ، فَقَالَ : اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلاَءِ الرَّكْبُ . قَالَ : فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ ، فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : ادْعُهُ لِي . فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ : ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ : وَاأَخَاهُ وَاصَاحِبَاهُ . فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه - : يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَىَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ " ؟ . [ الحديث 1287 - طرفاه في : 1290 ، 1292 ] . ( فقال ابن عباس ، رضي الله عنهما : قد كان عمر ) بن الخطاب ( رضي الله عنه ، يقول ، بعض ذلك ، ثم حدّث ) أي ابن عباس ( فقال ) : ( صدرت مع عمر ، رضي الله عنه ، من مكة ) قافلاً من حجة ( حتى إذا كنا بالبيداء ) بفتح الموحدة وسكون المثناة التحتية ، مفازة بين مكة والمدينة ( إذا هو بركب ) أصحاب إبل عشرة ، فما فوقها مسافرين فاجأوه ( تحت ظل سمرة ) بفتح السين المهملة وضم الميم ، شجرة عظيمة من العضاه ( فقال : اذهب فانظر مَن هؤلاء الركب ؟ قال : فنظرت فإذا صهيب ) بضم الصاد ابن سنان بن قاسط بالقاف ، وكان من السابقين الأوّلين المعذبين في الله ( فأخبرته ) أي : أخبرت عمر بذلك ( فقال : ادعه لي ، فرجعت إلى صهيب ، فقلت ) له : ( ارتحل فالحق ) بكسر الحاء المهملة في الأول وفتحها في الثاني ، أمر من : اللحوق ( فأمير المؤمنين ) كذا لأبي ذر ، عن الكشميهني : بالموحدة قبل الهمزة ، ولغيره : فالحق أمير المؤمنين ، فلحق به . حتى دخلنا المدينة ( فلما أصيب عمر ) رضي الله عنه بالجراحة التي مات بها ، وكان ذلك عقب حجه المذكور ( دخل صهيب ) حال كونه ( يبكي ) حال كونه ( يقول : وا أخاه ، وا صاحباه ) بألف الندبة فيهما لتطويل مدّ الصوت ، وليست علامة إعراب في الأسماء الستة ، والهاء للسكت لا ضمير ، لكن الشرط في المندوب أن يكون معروفًا ، فيقدّر أن الأخوة والصاحبية كانا معلومين معروفين حتى يصح وقوعهما للندبة ، ( فقال عمر ، رضي الله عنه : يا صهيب أتبكي عليّ ) بهمزة الاستفهام الإنكاري ( وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه ؟ ) قيده ببعض البكاء فحمل على ما فيه نياحة جميعًا بين الأحاديث . 1288 - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما " فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ - رضي الله عنه - ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ - رضي الله عنها - فَقَالَتْ : يَرْحِمَ اللَّهُ عُمَرَ ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ، لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ، وَقَالَتْ : حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - عِنْدَ ذَلِكَ : وَاللَّهُ { هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى } . قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ - رضي الله عنهما - شَيْئًا " . [ الحديث 1288 - طرفاه في : 1289 ، 3978 ] . ( وقال ابن عباس ، رضي الله عنهما : فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة ، رضي الله عنها ، فقالت : يرحم الله عمر ) قال الطيبي : هذا من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى : { عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ } [ التوبة : 43 ] فاستغربت من عمر ذلك القول ، فجعلت قولها : يرحم الله عمر تمهيدًا ودفعًا لما يوحش من نسبته إلى الخطأ . والله ما حدّث رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ) يحتمل أن يكون جزمهما بذلك ، لكونها سمعت صريحًا من النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اختصاص العذاب بالكافر ، أو فهمت ذلك من القرائن ( لكن ) بإسقاط الواو ، ولأبي ذر : ولكن ( رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بإسكان نون لكن ، فرسول الله مرفوع وبتشديدها فهو منصوب ( قال ) : ( إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه ، وقالت : حسبكم القرآن ) أي : كافيكم أيها المؤمنون قوله تعالى في القرآن ( { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ) [ الأنعام : 164 والإسراء : 15 وفاطر : 18 والزمر : 7 ] أي : لا تؤاخذ نفس بذنب غيرها . ( قال ابن عباس رضي الله عنهما ، عند ذلك والله { هو أضحك وأبكى } [ النجم : 43 ] تقرير لنفي ما ذهب إليه ابن عمر من أن الميت يعذب ببكاء أهله ، وذلك أن بكاء الإنسان وضحكه وحزنه وسروره من الله ، يظهرها فيه ، فلا أثر لها في ذلك فعند ذلك سكت ابن عمر . كما ( قال ابن أبي مليكة : والله ما قال ابن عمر ، رضي الله عنهما ، شيئًا ) . بعد ذلك ، لكن قال الزين بن المنير : سكوته لا يدل على الإذعان ، فلعله كره المجادلة . وقال القرطبي ليس سكوته لشك طرأ له بعدما صرح برفع الحديث ، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلاً للتأويل ، ولم يتعين له محمل يحمله عليه إذ ذاك ، أو كان المجلس لا يقبل المماراة ، ولم تتعين الحاجة حينيذٍ . وقال الخطابي : الرواية إذا ثبتت لم يكن في دفعها سبيل بالظن ، وقد رواه عمر وابنه ، وليس فيما حكت عائشة ما يرفع روايتهما . لجواز أن يكون الخبران صحيحين معًا ، ولا منافاة بينهما . فالميت إنما تلزمه العقوبة بما تقدم من وصيته إليهم به وقت حياته ، وكان ذلك مشهورًا من مذاهبهم ، وهو موجود في أشعارهم