أحمد بن محمد القسطلاني

404

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

كقول طرفة بن العبد : إذا مت فانعيني بما أنا أهله . . . وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد وعلى ذلك حمل الجمهور قوله : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ، كما مر ، وبه قال المزني ، وإبراهيم الحربي وآخرون من الشافعية ، وغيرهم ، فإذا لم يوص به الميت لم يعذب . قال الرافعي : ولك أن تقول : ذنب الميت الأمر بذلك ، فلا يختلف عذابه بامتثالهم وعدمه وأجيب : بأن الذنب على السبب يعظم بوجود المسبب ، وشاهده حديث : " من سن سنة سيئة " . . . . وقيل : التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به ، كما روى أحمد من حديث أبي موسى مرفوعًا : " الميت يعذب ببكاء الحي إذا قالت النائحة : واعضداه ، واناصراه ، واكسباه ، جبذ الميت وقيل له : أنت عضدها ؟ أنت ناصرها ؟ أنت كاسبها ؟ " . وقال الشيخ أبو حامد : الأصح أنه محمول على الكافر . وغيره من أصحاب الذنوب . 1289 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَقُولُ " إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ : إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا " . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ، قال : ( أخبرنا مالك ) الإمام ( عن عبد الله بن أبي بكر ، عن أبيه ) أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ( عن عمرة بنت عبد الرحمن ) الأنصارية ( أنها أخبرته : أنها سمعت عائشة رضي الله عنها ، زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، تقول ) : أي لما قيل لها : إن عبد الله بن عمر يقول : إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه ، فقالت : يغفر الله لأبي عبد الرحمن ، أما إنه لم يكذب ، ولكنه نسي أو أخطأ ، كذا في الموطأ ومسلم ( إنما مر رسول الله على يهودية يبكي عليها أهلها ، فقال ) : ( إنهم ليبكون عليها ، وإنها لتعذب في قبرها ) بكفرها ، في حال بكاء أهلها ، لا بسبب البكاء . 1290 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ وَهْوَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : " لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ - رضي الله عنه - جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ : وَاأَخَاهُ . فَقَالَ عُمَرُ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ " ؟ . وبه قال : ( حدّثنا إسماعيل بن خليل ) الخزاز بزاءين معجمتين ، الكوفي ، قال المؤلّف : جاءنا نعيه سنة خمس وعشرين ومائتين ، قال : ( حدثنا عليّ بن مسهر ) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء ، قال : ( حدّثنا أبو إسحاق ) سليمان ( وهو الشيباني ) بفتح الشين المعجمة ( عن أبي بردة ) الحرث ( عن أبيه ) أبي موسى ، عبد الله بن قيس الأشعري ( قال ) : ( لما أصيب عمر ، رضي الله عنه ) بالجراحة التي مات منها ( جعل صهيب ) رضي الله عنه يبكي و ( يقول : وا أخاه ) بألف الندبة ، وهاء السكت ساكنة في اليونينية ( فقال عمر ) منكرًا عليه بكاءه ، لرفعه صوته بقوله : وا أخاه ، خوفًا من استصحابه ذلك ، أو زيادته عليه بعد موته : ( أما علمت أن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قال ) : ( إن الميت ليعذب ببكاء الحي ؟ ) أي : المقابل للميت ، أو المراد بالحي : القبيلة وتكون اللام فيه بدلاً من الضمير ، والتقدير : يعذب ببكاء حيه ، أي : قبيلته ، فيوافق قوله في الرواية الأخرى : ببكاء أهله عليه . . . وهو صريح في أن الحكم ليس خاصًّا بالكافر ، وظاهره أن صهيبًا سمع الحديث من النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وكأنه نسيه ، حتى ذكره به عمر رضي الله عنهما . ورواته كلهم مدنيون ، وفيه : التحديث والإخبار والعنعنة والقول ، وأخرجه مسلم في : الجنائز . 34 - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه - : دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ ، مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ وَالنَّقْعُ : التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ ، وَاللَّقْلَقَةُ : الصَّوْتُ . ( باب ما يكره ) كراهة تحريم ( من النياحة على الميت ) و : من ، لبيان الجنس ، والنياحة ، رفع الصوت بالندب قاله في المجموع وقيده غيره بالكلام المسجع . ( وقال عمر ) بن الخطاب ( رضي الله عنه ) لما مات خالد بن الوليد ، رضي الله عنه ، سنة إحدى وعشرين بحمص ، أو ببعض قراها ، أو بالمدينة . واجتمع نسوة المغيرة يبكين عليه ، فقيل لعمر رضي الله عنه : أرسل إليهن فانههن . فقال : ( دعهن يبكين على أبي سليمان ) هي : كنية خالد ( ما لم يكن نقع ) بفتح النون وسكون القاف آخره عين مهملة ( أو لقلقة ) بلامين وقافين . وهذا الأثر وصله المؤلّف في تاريخه الأوسط من طريق الأعمش عن شقيق . قال المؤلّف ، كالفراء : ( والنقع : التراب ) أي : يوضع ( على الرأس ، واللقلقة الصوت ) المرتفع . وقال الإسماعيلي : النقع هنا الصوت العالي ، واللقلقة حكاية ترديد صوت النوّاحة ، وحكى سعيد بن منصور : أن النقع شق الجيوب ، وحكي في مصابيح الجامع ، عن الأكثرين : أن النقع رفع الصوت بالبكاء . قال الزركشي : والتحقيق أنه مشترك ، يطلق على الصوت وعلى الغبار . ولا يبعد أن يكونا مرادين .