أحمد بن محمد القسطلاني

40

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

من حديث عبد الله بن عون ، عن أنس بن سيرين عنه ، عن أنس ( لأنس ) رضي الله عنه ، وللأصيلي زيادة : ابن مالك ، مستفهمًا له بالهمزة ( أكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي الضحى ؟ قال ) أنس : ( ما رأيته صلاها إلاّ يومئذٍ ) نفي رؤيته ، لا يستلزم نفي فعلها ، فهو كقول عائشة ، رضي الله عنها : ما رأيته عليه الصلاة والسلام يصلّيها . وقولها : كان يصلّيها أربعًا . فالمنفي رؤيتها له ، والمثبت فعله لها ، بأخباره أو بأخبار غيره فروته . وبقية مباحث ذلك تأتي ، إن شاء الله تعالى ، ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلّي بسائر الحاضرين عند غيبة الرجل الضخم . ورواته الأربعة ما بين عسقلاني وواسطي وبصري ، وفيه التحديث والسماع والقول ، وأخرجه أيضًا في الضحى والأدب ، وأبو داود في الصلاة . 42 - باب إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِالْعَشَاءِ وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : مِنْ فِقْهِ الْمَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلاَتِهِ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ . هذا ( باب ) بالتنوين ( إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة ) هل يبدأ بالطعام أو بالصلاة ؟ وحدد المؤلّف ذلك لينبّه على أن الحكم فيه نفيًا وإثباتًا غير مجزوم به لقوّة الخلاف فيه ، ( وكان ابن عمر ) بن الخطاب ، مما هو مذكور بمعناه في هذا الباب ( يبدأ بالعشاء ) بفتح العين والمدّ خلاف الغداء . ( وقال أبو الدرداء ، ) مما وصله عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد ، ومن طريقه ، محمد بن نصر المروزي ، في تعظيم قدر الصلاة : ( من فقه المرء إقباله على حاجته ) أعمّ من الطعام وغيره ( حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ ) من الشواغل الدنيوية ، ليقف بين يدي مالكه في مقام العبودية من المناجاة على أكمل الحالات من الخضوع والخشوع الذي هو سبب للفلاح { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( 1 ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } [ المؤمنون : 1 ، 2 ] والفلاح أجمع : اسم لسعادة الدارين ، وفقد الخشوع ينفيه . 671 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : « إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ » . [ الحديث 671 - طرفه في : 5465 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا مسدد ) هو ابن مسرهد ( قال : حدّثنا يحيى ) بن سعيد القطان ( عن هشام ) هو ابن عروة ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( أبي ) عروة بن الزبير ( قال : سمعت عائشة ) رضي الله عنها ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال ) : ( إذا وضع العشاء ) أي عشاء مريد الصلاة ، وللمؤلّف في الأطعمة . إذا حضر ، وهو أعمّ من الوضع ، فيحمل قوله حضر ، أي : بين يديه . لتأْتلف الروايتان لاتحاد المخرج ( وأقيمت الصلاة فابدؤوا ) ندبًا ( بالعشاء ) إذا وسع الوقت ، واشتدّ التوقان إلى الأكل . واستنبط منه كراهة الصلاة حينئذٍ لما فيه من اشتغال القلب عن الخشوع المقصود من الصلاة ، إلا أن يكون الطعام مما يؤتى عليه مرة واحدة : كالسويق واللبن . ولو ضاق الوقت بحيث . لو أكل خرج يبدأ بها ولا يؤخرها محافظة على حرمة الوقت ، ويستحب إعادتها عند الجمهور . وهذا مذهب الشافعي وأحمد . وعند المالكية يبدأ بالصلاة إن لم يكن معلق النفس بالأكل ، أو كان متعلقًا به . لكنه لا يعجله عن صلاته ، فإن كان يعجله بدأ بالطعام واستحب له الإعادة والمراد بالصلاة هنا المغرب لقوله في الحديث التالي : فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب . لكن ذكر المغرب لا يقتضي الحصر فيها ، فحمله على العموم أولى نظرًا إلى العلّة ، وهي التشويش المفضي إلى ترك الخشوع ، إلحاقًا للجائع بالصائم ، وللغداء بالعشاء ، لا بالنظر إلى اللفظ الوارد . 672 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلاَةَ الْمَغْرِبِ وَلاَ تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ » . [ الحديث 672 - طرفه في : 5463 ] . وبه قال : ( حدّثنا يحيى بن بكير ) بضم الموحدة وفتح الكاف ( قال : حدّثنا الليث ) بن سعد ، إمام المصريين ( عن عقيل ) بضم أوله وفتح ثانيه ، ابن خالد ( عن ابن شهاب ) الزهري ( عن أنس بن مالك ) رضي الله عنه ( ان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) ( إذا قدم العشاء ) بضم القاف وكسر الدال المشددة وفتح العين ، وزاد ابن حبان والطبراني في الأوسط ، من رواية موسى بن أعين ، عن عمرو بن الحرث ، عن ابن شهاب : وأحدكم صائم . وموسى ثقة . ( فابدؤوا به ) أي بالعشاء ( قبل أن تصلوا صلاة المغرب ، ولا تعجلوا عن عشائكم ) بفتح المثناة الفوقية والجيم ، وفي نسخة قيل إنها مسموعة على الأصيلي : ولا تعجلوا . بضم الفوقية وفتح الجيم من الثلاثي فيهما ، وروي : تعجلوا . بضم أوّله وكسر ثالثه ، من الإعجال . وفيه كالسابق دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أوّل الوقت ، فإنهما لما تزاحما قدم الشارع الوسيلة إلى حضور القلب على أداء الصلاة في أوّل الوقت . ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مصري وإيلي ومدني ،