أحمد بن محمد القسطلاني

395

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

بوعده الصدق ، لا عقليًّا إذ لا يجب على الله شيء ( فمنا من مات لم يكل من أجره ) من الغنائم التي تناولها من أدرك زمن الفتوح ( شيئًا ) بل قصر نفسه عن شهواتها لينالها متوفرة في الآخرة ( منهم : مصعب بن عمير ) بضم العين وفتح الميم : ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي ، يجتمع مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفي قصي ( ومنا من أينعت ) بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية وفتح النون أي : أدركت ونضجت ( له ثمرته ) ولأبي ذر : ثمرة ( فهو يَهدِبها ) بفتح المثناة التحتية وسكون الهاء وتثليث الدال ، أي : يجنيها . وعبر بالمضارع ليفيد استمرار الحال الماضية والآتية استحضارًا له في مشاهدة السامع . ( قتل ) أي : مصعب ( يوم أُحد ) قتله عبد الله بن قميئة ، والجملة استئنافية ( فلم نجد له ما نكفنه ) زاد أبو ذر : به ( إلاّ بردة ، إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه ، وإذا غطينا ) بها ( رجليه خرج رأسه ) لقصرها ، ( فأمر النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أن نغطي رأسه ) بطرف البردة ( وأن نجعل على رجليه من الإذخر ) بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة والراء ، نبت حجازي طيب الرائحة . وفي الحديث من الفوائد : أن الواجب من الكفن ما يستر العورة ، قال في المجموع ، واحتمال أنه لم يكن له غير النمرة مدفوع بأنه بعيد ممن خرج للقتال ، وبأنه لو سلم ذلك لوجب تتميمه من بيت المال ، ثم من المسلمين . اه - . وقد يقال : أمرهم بتتميمه بالإذخر . وهوَ ساتر ، ويجاب : بأن التكفين به لا يكفي إلاّ عند تعذر التكفين بالثوب ، كما صرح به الجرجاني ، لما فيه من الإزراء بالميت ، على أنه ورد في أكثر طرق الحديث أنه قتل يوم أُحد ، ولم يخلف إلاّ نمرة . وبالجملة ، فالأصح أن أقل الكفن ساتر العورة . لكن استشكل الأسنوي الاقتصار على ساتر العورة ، بما في النفقات ، من أنه لا يحل الاقتصار في كسوة العبد على ساتر العورة ، وإن لم يتأذ بحر أو برد ، لأنه تحقير وإذلال ، فامتناعه في الميت الحر أولى . وأجيب عنه : بأنه لا أولوية ، بل ولا تساوي . إذ للغرماء منع الزيادة على الثوب الواحد ، والحر المفلس يبقى له ما يجمله لاحتياجه إلى التجمل للصلاة ، وبين الناس ، ولأن الميت يستر بالتراب عاجلاً بخلاف العبد . والأولى أن يجاب : بأنه لا فرق بين المسألتين إذ عدم الجواز في تلك ليس لكونه حقًا لله تعالى في الستر ، بل لكونه حقًا للعبد . حتى إذا أسقطه جاز . وفي الحديث أيضًا بيان فضيلة مصعب بن عمير ، وأنه ممن لم ينقص له من ثواب الآخرة شيء . 29 - باب مَنِ اسْتَعَدَّ الْكَفَنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ ( باب من استعد الكفن ) أي : أعده ، وليست السين للطلب ( في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فلم ينكر عليه ) بفتح الكاف مبنيًّا للمفعول ، كذا في الفرع وأصله ، وفي نسخة : فلم ينكر بكسرها على أن فاعل الإنكار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 1277 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ - رضي الله عنه - " أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا . أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ ؟ قَالُوا : الشَّمْلَةُ . قَالَ : نَعَمْ . قَالَتْ : نَسَجْتُهَا بِيَدِي ، فَجِئْتُ لأَكْسُوَكَهَا ، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ ، فَحَسَّنَهَا فُلاَنٌ فَقَالَ : اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا . قَالَ الْقَوْمُ : مَا أَحْسَنْتَ ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ قَالَ : إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لأَلْبَسَهَا ، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي . قَالَ سَهْلٌ : فَكَانَتْ كَفَنَهُ " . [ الحديث 1277 - أطرافه في : 2093 ، 5810 ، 6036 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا عبد الله بن مسلمة ) القعنبي ( قال : حدّثنا ابن أبي حازم ) عبد العزيز ( عن أبيه ) أبي حازم ، سلمة بن دينار الأعرج القاص ، من عباد أهل المدينة وزهادهم ( عن سهل ) هو : ابن سعد الساعدي ( رضي الله عنه ) : ( أن امرأة ) قال الحافظ ابن حجر : لم أقف على اسمها ( جاءت النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ببردة منسوجة فيها حاشيتها ) رفع بقوله منسوجة ، واسم المفعول يعمل عمل فعله ، كاسم الفاعل أي : أنها لم تقطع من ثوب فتكون بلا حاشية ، أو أنها جديدة لم يقطع هدبها ولم تلبس بعد . قال سهل : - ( أتدرون ) بهمزة الاستفهام ، ولأبوي ذر ، والوقت : تدرون بإسقاطها ( ما البردة ؟ قالوا : الشملة . قال ) سهل : ( نعم ) هي ، وفي تفسيره بها تجوّز لأن البردة كساء ، والشملة ما يشتمل به ، فهي أعم . لكن لما كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها . ( قالت ) أي : المرأة للنبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( نسجتها ) أي : البردة ( بيدي ) حقيقة أو مجازًا ( فجئت لأكسوكها فأخذها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) حال كونه ( محتاجًا إليها ) وعرف ذلك بقرينة حال ، أو تقدم قول صريح ( فخرج ) عليه الصلاة والسلام ( إلينا وإنها إزاره ) وفي رواية هشام بن عمار ، عن عبد العزيز عند ابن ماجة : فخرج إلينا فيها . وعند الطبراني من رواية هشام بن سعد عن أبي حازم : فاتزر بها ثم خرج ( فحسنها ) أي نسبها إلى الحسن ، وللمصنف في اللباس ، من طريق