أحمد بن محمد القسطلاني

394

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

( خيرًا مني ) قاله تواضعًا وهضمًا لنفسه ( فلم يوجد له ما يكفن فيه إلاّ برده ) بالضمير العائد على مصعب . قال الحافظ ابن حجر : وهو رواية الأكثر قال : ولأبي ذر عن الكشميهني : إلا بردة ، بلفظ واحد البرود . اه - . والذي في الفرع ، عن الكشميهني بالضمير ، والبرد نمرة كالمئزر . وهذا موضع الترجمة ، لأن ظاهره أنه لم يوجد ما يملكه إلا البردة المذكورة . ( وقتل حمزة ) بن عبد المطلب في غزوة أُحد ( - أو رجل آخر - ) قال الحافظ ابن حجر : لم أقف على اسمه ( خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة ) . وللكشميهني كما في الفرع وأصله : إلاّ برده ، بالضمير الراجع إليه . قال عبد الرحمن بن عوف : ( لقد خشيت أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا ) يعني : أصبنا ما كتب لنا من الطيبات في دنيانا ، فلم يبق لنا بعد استيفاء حظنا شيء منها . والمراد بالحظ الاستمتاع والتنعم الذي يشغل الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه ، حتى يعكف همته على استيفاء اللذات . أما من تمتع بنعم الله ، ورزقه الذي خلقه تعالى لعباده ، ليتقوى بذلك على دراية العلم والقيام بالعمل ، وكان ناهضًا بالشكر فهو عن ذلك بمعزل . ( ثم جعل ) عبد الرحمن ( يبكي ) خوفًا من تخلفه عن اللحاق بالدرجات العلى . وشيخ المؤلّف من أفراده ، والثلاثة البقية مدنيون ، وفيه : التحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه أيضًا المؤلّف في : الجنائز ، والمغازي . 27 - باب إِذَا لَمْ يُوجَدْ إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ هذا ( باب ) بالتنوين ( إذا لم يوجد ) للميت ( إلاّ ثوب واحد ) اقتصر عليه . 1275 - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ " أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - رضي الله عنه - أُتِيَ بِطَعَامٍ - وَكَانَ صَائِمًا - فَقَالَ : قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ - وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي - كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلاَهُ ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلاَهُ بَدَا رَأْسُهُ . وَأُرَاهُ قَالَ : وَقُتِلَ حَمْزَةُ - وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي - ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ - أَوْ قَالَ أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا - وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا . ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ " . وبالسند قال : ( حدّثنا ابن مقاتل ) محمد المروزي ، المجاور بمكة . ولأبي ذر : محمد بن مقاتل ، قال : ( أخبرنا عبد الله ) بن المبارك المروزي ، قال : ( أخبرنا شعبة ) بن الحجاج ( عن سعد بن إبراهيم ) بسكون العين ( عن أبيه إبراهيم ) . ( أن ) أباه ( عبد الرحمن بن عوف ، رضي الله عنه ، أتي بطعام ) بإسقاط هاء الضمير ( - وكان ) عبد الرحمن يومئذ ( صائمًا - فقال : قتل مصعب بن عمير - وهو خير مني - كفن في بردة ) ولأبي ذر ، عن الحموي والمستملي : في برده بالضمير الراجع إلى مصعب ( إن غُطي ) بضم الغين مبنيًّا للمفعول ( رأسه ) بالرفع نائب عن الفاعل ، ( بدت ) ظهرت ( رجلاه وإن غطي رجلاه بدا ) ظهر ( رأسه ) . قال المهلب وابن بطال : وإنما استحب أن يكفن في هذه البردة لكونه قتل فيها . قال ابن حجر : وفي هذا الجزم نظر ، بل الظاهر أنه لم يوجد له غيرها كما هو مقتضى الترجمة . ( وأراه ) بضم الهمزة ، أي : أظنه ( قال : وقتل حمزة ) عم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( - وهو خير مني - ) وروى الحاكم في مستدركه ، من حديث أنس : أن حمزة كفن أيضًا كذلك . ( ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط - أو قال : أعطينا من الدنيا ما أعطينا - ) شك من الراوي ( وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا ) يعني : خفنا أن ندخل في زمرة من قيل في حقه { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ } [ الإسراء : 18 ] . يعني : من كانت العاجلة همه ، ولم يرد غيرها ، تفضلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد . وقيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه ، ولا كل واحد جميع ما يهواه . ( ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام ) في وقت الإفطار . 28 - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ كَفَنًا إِلاَّ مَا يُوَارِي رَأْسَهُ أَوْ قَدَمَيْهِ غَطَّى رَأْسَهُ هذا ( باب ) بالتنوين ( إذا لم يجد ) من يتولى أمر الميت ( كفنًا إلا ما يواري ) يستر ( رأسه ) مع بقية جسده ( أو ) يستر ( قدميه ) مع بقية جسده ( غطى ) ولأبي ذر : غطي ، بضم المعجمة ( به ) أي : بذلك الكفن ( رأسه ) . 1276 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ حَدَّثَنَا خَبَّابٌ - رضي الله عنه - قَالَ " هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ : فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا ، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا . قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلاَّ بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاَهُ ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ . فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ " . [ الحديث 1276 - أطرافه في : 3897 ، 3913 ، 3914 ، 4047 ، 4082 ، 6432 ، 6448 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا عمر بن حفص ) بضم عين عمر ، قال : ( حدَّثنا أبي ) حفص بن غياث بن طلق قال : ( حدّثنا الأعمش ) سليمان بن مهران ، قال : ( حدّثنا شقيق ) أبو وائل بن سلمة ، قال : ( حدّثنا خباب ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى ، بينهما ألف ، ابن الأرت ، بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة الفوقية ( رضي الله عنه قال ) : ( هاجرنا مع النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ، حال كوننا ( نلتمس وجه الله ) أي ذاته ، لا الدنيا . والمراد بالمعية الاشتراك في حكم الهجرة إذ لم يكن معه عليه الصلاة والسلام إلا أبو بكر وعامر بن فهيرة ( فوقع أجرنا على الله ) وفي رواية : وجب أجرنا على الله . أي : وجوبًا شرعيًّا أي : بما وجب