أحمد بن محمد القسطلاني
381
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
من الولد لم يبلغوا الحنث ، كانوا له حصنًا حصينًا من النار " . قال أبو ذر : قدمت اثنين . قال : " واثنين " . قال أبي بن كعب : قدمت واحدًا . قال : " وواحدًا " . لكن ، قال في الفتح : ليس في ذلك ما يصلح للاحتجاج ، بل وقع في رواية شريك التي علق المصنف إسنادها كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، ولم نسأله عن الواحد . نعم ، روى المؤلّف في : الرقاق ، من حديث أبي هريرة ، مرفوعًا : " يقول الله تعالى : ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ، ثم احتسبه ، إلا الجنة " . وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه ، وهذا أصح ما ورد في ذلك ، وهل يدخل في ذلك من مات له ولد فأكثر في حالة الكفر ، ثم أسلم بعد ذلك ، أو لا بدّ أن يكون موتهم في حالة إسلامه ؟ قد يدل للأول حديث : أسلمت على ما أسلفت من خير ، لكن جاءت أحاديث فيها تقييد ذلك بكونه في الإسلام ، فالرجوع إليها أولى . فمنها : حديث أبي ثعلبة الأشجعي ، المروي في مسند أحمد ، والمعجم الكبير ، قلت : يا رسول الله ! مات لي ولدان في الإسلام . فقال : " من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنة " . وحديث عمرو بن عبسة عند أحمد وغيره ، قال : سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يقول : " من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام ، فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث ، أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم " . وهل يدخل أولاد الأولاد ، سواء كانوا أولاد البنين ، أو أولاد البنات ، لصدق الاسم عليهم أو لا يدخلون . لأن إطلاق الأولاد عليهم ليس حقيقة ، وقد ورد تقييد الأولاد بكونهم من صلبه ، وهو مخرج أولاد الأولاد . فإن صح فهو قاطع للنزاع ، ففي حديث عثمان بن أبي العاصي في مسند أبي يعلى والمعجم الكبير للطبراني ، مرفوعًا بإسناد فيه عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة القرشي ، وهو ضعيف : لقد استجن بجنة حصينة من النار ، رجل سلف بين يديه ثلاثة من صلبه في الإسلام . ( لم يبلغوا الحنث ) بكسر المهملة وسكون النون آخره مثلثة ، سن التكليف الذي يكتب فيه الإثم . وخص الإثم بالذكر لأنه الذي يحصل بالبلوغ ، لأن الصبي قد يثاب . قال أبو العباس القرطبي : وإنما خصهم بهذا الحد ، لأن الصغير حبه أشد ، والشفقة عليه أعظم . انتهى . ومقتضاه أن من بلغ الحنث لا يحصل لمن فقده ما ذكره من الثواب ، وإن كان في فقد الولد ثواب في الجملة ، وبذلك صرح كثير من العلماء ، وفرقوا بين البالغ وغيره . لكن ، قال الزين بن المنير ، والعراقي في شرح تقريب الأسانيد : إذا قلنا إن مفهوم الصفة ليس بحجة ، فتعليق الحكم بالذين لم يبلغوا الحلم لا يقتضي أن البالغين ليسوا كذلك ، بل يدخلون في ذلك بطريق الفحوى ، لأنه إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو كل على أبويه ، فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي . ولا ريب أن التفجع على فقد الكبير أشد ، والمصيبة به أعظم ، لا سيما إذا كان نجيبًا يقوم عن أبيه بأموره ، ويساعده في معيشته ، وهذا معلوم مشاهد . والمعنى الذي ينبغي أن يعلل به ذلك قوله : ( إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم ) قال الكرماني وتبعه البرماوي : الظاهر أن الضمير يرجع للمسلم الذي توفي أولاده ، لا إلى الأولاد . وإنما جمع باعتبار أنه نكرة في سياق النفي ، فيفيد العموم . انتهى . وعلله بعضهم : بأنه لما كان يرحمهم في الدنيا ، جوزي بالرحمة في الآخرة . وقد تعقب الحافظ ابن حجر وتبعه العلامة العيني الكرماني ، بأن ما قاله غير ظاهر ، وأن الظاهر رجوعه للأولاد بدليل قوله في حديث عمرو بن عبسة ، عند الطبراني : إلا أدخله الله برحمته هو وإياهم الجنة . وحديث أبي ثعلبة الأشجعي : أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهما ، قاله بعد قوله : من مات له ولدان ، فوضح بذلك أن الضمير في قوله ، إياهم للأولاد ، لا للآباء ، أي بفضل رحمة الله للأولاد . وعند ابن ماجة ، من هذا الوجه : بفضل رحمة الله إياهم . وللنسائي ، من حديث أبي ذر : إلا غفر الله لهما بفضل رحمته . وفي معجم الطبراني ، من حديث حبيبة بنت سهل ، وأم مبشر ومن لم يكتب عليه إثم ، فرحمته أعظم ، وشفاعته أبلغ . وفي معرفة الصحابة لابن منده ، عن شراحيل المنقري : أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " من توفي له أولاد في سبيل الله دخل بفضل حسبتهم الجنة " ، وهذا إنما هو في البالغين الذين يقتلون في