أحمد بن محمد القسطلاني
345
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
فيلزم أن تكون الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في مسجد مكة بتسعمائة وتسع وتسعين صلاة . وأوّله بعضهم على التساوي بين المسجدين ورجحه ابن بطال معللاً : بأنه لو كان مسجد مكة فاضلاً أو مفضولاً لم يعلم مقدار ذلك إلا بدليل ، بخلاف المساواة . وأجيب : بأن دليله قوله في حديث أحمد وابن حبان السابق : وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا . وكأنه لم يقف عليه ، وهذا التضعيف يرجع إلى الثواب كما مر . ولا يتعدى إلا جزاء بالاتفاق ، كما نقله النووي وغيره . وعليه يحمل قول أبي بكر النقاش المفسر في تفسيره : حسبت الصلاة في المسجد الحرام ، فبلغت صلاة واحدة بالمسجد الحرام خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة . وهذا مع قطع النظر عن التضعيف بالجماعة ، فإنها تزيد سبعًا وعشرين درجة ، كما مر . قال البدر بن الصاحب الأثاري : إن كل صلاة بالمسجد الحرام فرادى بمائة صلاة ، وكل صلاة فيه جماعة بألفي ألف صلاة وسبعمائة ألف صلاة ، والصلوات الخمس فيه بثلاثة عشر ألف ألف وخمسمائة ألف صلاة ، وصلاة الرجل منفردًا في وطنه غير المسجدين العظمين كل مائة سنة شمسية بمائة ألف وثمانين ألف صلاة ، وكل ألف سنة بألف ألف صلاة وثمانمائة ألف صلاة ، فتلخص من هذا أن صلاة واحدة في المسجد الحرام جماعة ، يفضل ثوابها على ثواب من صلّى في بلده فرادى ، حتى بلغ عمر نوح بنحو الضعف . اه - . لكن هل يجتمع التضعيفان أو لا ؟ محل بحث . وهل يدخل في التضعيف ما زيد في المسجد النبوي في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم ؟ أم لا : ؟ إن غلبنا اسم الإشارة في قوله : مسجدي هذا انحصر التضعيف فيه ولم يعم ما زيد فيه ، لأن التضعيف إنما ورد في مسجده وقد أكده يقوله : هذا . وقد صرح بذلك النووي ، بخلاف المسجد الحرام ، فإنه يعم الحرم كله كما مر . واستنبط منه تفضيل مكة على المدينة ، لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيه مرجوحة ، وهو قول الجمهور . وحكي عن مالك ، وابن وهب ، ومطرف ، وابن حبيب ، من أصحابه : لكن المشهور عن مالك وأكثر أصحابه تفضيل المدينة . وقد رجع عن هذا القول أكثر المنصفين من المالكية . واستثنى القاضي عياض البقعة التي دفن فيها النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فحكى الاتفاق على أنها أفضل بقاع الأرض . بل قال ابن عقيل الحنبلي : إنها أفضل من العرش . ورواة هذا الحديث الستة مدنيون ، إلا شيخ المؤلّف فأصله من دمشق وهو من أفراده ، وفيه : التحديث والإخبار والعنعنة والقول ، وأخرجه مسلم في : المناسك ، والترمذي وابن ماجة في : الصلاة ، النسائي في : الحج . 2 - باب مَسْجِدِ قُبَاءٍ فضل ( مسجد قباء ) بضم القاف ممدودًا . وقد يقصر ويذكر على أنه اسم موضع ، فيصرف ويؤنث على أنه اسم بقعة . وبينه وبين المدينة ثلاثة أميال ، أو ميلان . وهو أولّ مسجد أسسه ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، والمسجد المؤسس على التقوى في قول جماعة من السلف ، منهم ابن عباس ، وهو مسجد بني عمرو بن عوف . وسمي باسم بئر هناك ، وفي وسطه مبرك ناقته ، عليه الصلاة والسلام ، وفي صحنه ، مما يلي القبلة ، شبه محراب هو أوّل موضع ركع فيه ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثَمَّ . 1191 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما - كَانَ لاَ يُصَلِّي مِنَ الضُّحَى إِلاَّ فِي يَوْمَيْنِ . يَوْمَ يَقْدَمُ بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْدَمُهَا ضُحًى فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ ، وَيَوْمَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَرِهَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ . قَالَ : وَكَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَزُورُهُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا " . [ الحديث 1191 - أطرافه في : 1193 ، 1194 ، 7326 ] . وبه قال : ( حدّثنا يعقوب بن إبراهيم ) بن كثير ، زاد الهروي ، هو الدورقي ، نسبة إلى لبس القلانس الدورقية ، قال : ( حدّثنا ابن علية ) بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية ، إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم ، وعلية أمه ، قال : ( أخبرنا أيوب ) السختياني ( عن نافع ) مولى ابن عمر : ( أن ابن عمر ) بن الخطاب ( رضي الله عنهما ، كان لا يصلّي من الضحى ) أي : في الضحى ، أو : من جهة الضحى ( إلا في يومين : يوم يقدم بمكة ) بجر يوم ، بدلاً من يومين ، أو بالرفع ، خبر مبتدأ محذوف . أي : أحدهما يوم . وللهروي والأصيلي : يوم ، كاللاحق بالنصب على الظرفية ، ودال : يقدم مفتوحة . وقال العيني : مضمومة ، وبمكة ، بموحدة ، ولأبوي ذر والوقت ، والأصيلي ، وابن عساكر : مكة بحذفها . ( فإنه ) أي ابن عمر ( كان يقدمها ) أي مكة ( ضحى ) أي : في ضحوة النهار ، ( فيطوف بالبيت ) الحرام ( ثم يصلّى ركعتين ) سنة الطواف ( خلف المقام ويوم ) عطف على يوم