أحمد بن محمد القسطلاني
344
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
أو في الحرم ، قال : بل في الحرم ؛ لأنه كله مسجد . ( ومسجد الرسول ) محمد ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بطيبة عبر به دون مسجدى ، للتعظيم أو هو من تصرف الرواة . وروى أحمد بإسناد رواته الصحيح ، من حديث أنس رفعه : " من صلّى في مسجدي أربعين صلاة لا تفوته صلاة ، كتبت له براءة من النار ، وبراءة من العذاب ، وبراءة من النفاق " . ( ومسجد الأقصى ) : بيت المقدس ، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة عند الكوفيين ، والبصريون يؤولونه بإضمار المكان أي و : مسجد المكان الأقصى . وسمي به لبعده عن مسجد مكة في المسافة ، أو لأنه لم يكن وراءه مسجد . وقد بطل بما مر من التقدير : بلا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه ، المعتضد بحديث أبي سعيد ، المروي في مسند أحمد ، بإسناد حسن مرفوعًا : لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة ، غير المسجد الحرام ، والأقصى ومسجدي . هذا قول ابن تيمية . حيث منع من زيارة النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وهو من أبشع المسائل المنقولة عنه . وقد أجاب عنه المحققون من أصحابه أنه كره اللفظ أدبًا ، لا أصل الزيارة ، فإنها من أفضل الأعمال ، وأجل القرب الموصلة إلى ذي الجلال ، وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع . اه - . فشد الرحال للزيارة أو نحوها : كطلب علم ليس إلى المكان ، بل إلى من فيه ، وقد التبس ذلك على بعضهم ، كما قاله المحقق التقي السبكي ، فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة في غير الثلاثة داخل في المنع ، وهو خطأ ، لأن الاستثناء كما مر إنما يكون من جنس المستثنى منه ، كما إذا قلت ما رأيت إلا زيدًا كان تقديره : ما رأيت رجلاً واحدًا إلا زيدًا ، لا ، ما رأيت شيئًا أو حيوانًا إلا زيدًا . وقد استدلّ بالحديث على أن من نذر إتيان أحد هذه المساجد ، لزمه ذلك . وبه قال مالك ، وأحمد والشافعي في البويطي ، واختاره ، أبو إسحاق المروزي . وقال أبو حنيفة : لا يجب مطلقًا . وقال الشافعي في الأم : يجب في المسجد الحرام لتعلق النسك به ، بخلاف المسجدين الآخرين . وهذا هو المنصوص لأصحابه . واستدلّ به أيضًا على أن من نذر إتيان غير هذه الثلاثة ، لصلاة أو غيرها لا يلزمه ، لأنه لا فضل لبعضها على بعض ، فتكفي صلاته في أي مسجد كان . قال النووي : لا اختلاف فيه إلا ما روي عن الليث أنه قال : يجب الوفاء به ، وعن الحنابلة رواية : أنه يلزمه كفارة يمين ، ولا ينعقد نذره . وعن المالكية رواية : أنه إن تعلقت به عبادة تختص به كرباط . وإلاّ فلا . وذكر عن محمد بن مسلمة ، أنه يلزم في مسجد قباء لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يأتيه كل سبت . فإن قلت : ما المطابقة بين الترجمة والحديث . أجيب : بأنه من التعبير بالرحلة إلى المساجد ، لأن المراد بالرحلة إليها ، قصد الصلاة فيها لأن لفظ : المساجد ، يشعر بالصلاة . وفي هذا السند الثاني : التحديث والعنعنة والقول ، ورواية تابعي عن تابعي عن صحابي . وأخرج حديثه هذا : مسلم وأبو داود في الحج ، والنسائي في الصلاة . 1190 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ » . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ( قال : أخبرنا مالك ) إمام الأئمة الأصبحي ( عن زيد بن رباح ) بفتح الراء وتخفيف الموحدة وبالحاء المهملة المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائة ( وعبيد الله ) بالتصغير والخفض ، عطفًا على سابقه ( ابن أبي عبد الله الأغر ) كلاهما ( عن أبي عبد الله ) سلمان ( الأغر ) بفتح الهمزة والغين المعجمة وتشديد الراء ، المدني ، شيخ الزهري ( عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن النبي ) ولأبوي : ذر ، والوقت ، والأصيلي ، وابن عساكر : أن رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : صلاة ) ، فرضًا أو نفلاً ( في مسجدي هذا خير ) من جهة الثواب ( من ألف صلاة ) تصلّى ( فيما سواه ) من المساجد ( إلا المسجد الحرام ) أي : فإن الصلاة فيه خير من الصلاة في مسجده . ويدل له حديث أحمد ، وصححه ابن حبان من طريق عطاء عن عبد الله بن الزبير ، رفعه : وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا . وعند البزار ، وقال : إسناده حسن ، والطبراني ، من حديث أبي الدرداء ، رفعه : الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، والصلاة في مسجدي بألف صلاة ، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة . وأوّله المالكية ، ومن وافقهم ، بأن الصلاة في مسجدي تفضله بدون الألف . قال ابن عبد البر : لفظ دون يشمل الواحد ،