أحمد بن محمد القسطلاني
33
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
في ملأ ويدل له رواية البيهقي بلفظ : ذكر الله بين يديه ( ففاضت عيناه ) من الدمع لرقة قلبه وشدة خوفه من جلاله أو مزيد شوقه إلى جماله . والفيض انصباب عن امتلاء ، فوضع موضع الامتلاء للمبالغة ، أو جعلت العين من فرط البكاء كأنها تفيض بنفسها . وذكر الرجال في قوله : ورجل لا مفهوم له ، فتدخل النساء ؟ نعم . لا يدخلن في الإمامة العظمى ، ولا في خصلة ملازمة المسجد ، لأن صلاتهنّ في بيتهنّ أفضل ، لكن يمكن في الإمامة حيث يكن ذوات عيال فيعدلن ، ولا يقال لا يدخلن في خصلة من دعته امرأة لأنًّا نقول : إنه يتصور في امرأة دعاها ملك جميل مثلاً للزنا ، فامتنعت خوفًا من الله مع حاجتها . وذكر المتحابين لا يصير العدد ثمانية لأن المراد عدّ الخصال لا عدّ المتصفين بها . ومفهوم العدد بالسبعة لا مفهوم له ، بدليل ورود غيرها . ففي مسلم من حديث أي اليسر مرفوعًا : من أنظر معسرًا أو وضع له أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله . وزاد ابن حبّان ، وصححه من حديث ابن عمر المغازي ، وأحمد والحاكم من حديث سهل بن حنيف عون المجاهد ، وكذا زاد أيضًا من حديثه : إرفاد الغارم ، وعون المكاتب . والبغوي في شرح السُّنَّة : التاجر الصدوق . والطبراني من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف : تحسين الخلق . ومن تتبع دواوين الحديث وجد زيادة كثيرة على ما ذكرته . وللحافظ ابن حجر مؤلف سماه : ( معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال ) . ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في الزكاة والرقاق . ورواته الستة ما بين بصري ومدني ، وفيه التحديث والعنعنة والقول ، ورواية الرجل عن خاله وجده ، وأخرجه في الزكاة وفي الرقاق ، ومسلم في الزكاة والنسائي في القضاء والرقاق . 661 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ : " سُئِلَ أَنَسٌ : هَلِ اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمًا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، أَخَّرَ لَيْلَةً صَلاَةَ الْعِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَ مَا صَلَّى فَقَالَ : صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلاَةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا . قَالَ : فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ " . وبه قال ( حدّثنا قتيبة ) بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي ( قال : حدّثنا إسماعيل بن جعفر ) هو ابن كثير الأنصاري المدني ( عن حميد ) الطويل ( قال : سئل أنس ) وللأصيلي : أنس بن مالك ( هل اتخذ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاتمًا ؟ فقال : نعم ) اتخذه ( أخَّر ليلة صلاة العشاء إلى شطر الليل ) نصفه ( ثم أقبل علينا بوجهه ) الكريم ( بعدما صلّى فقال ) : ( صلى الناس ) أي غيركم ممن صلّى في داره أو مسجد قبيلته ( ورقدوا ولم تزالوا في ) ثواب ( صلاة منذ انتظرتموها ) أي الصلاة . ( قال ) أنس : ( فكأني ) بالفاء وفي رواية وكأني ( أنظر إلى وبيص خاتمه ) بكسر الموحدة آخره صاد مهملة أي بريقه ولمعانه . وسبق الحديث في باب وقت العشاء إلى نصف الليل ، وهو مطابق للجزء الأوّل من الترجمة في قوله : ولم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها . وبقية مباحثه تأتي في محالها إن شاء الله تعالى . 37 - باب فَضْلِ مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَمَنْ رَاحَ بيان ( فضل من غدا إلى المسجد ومن راح ) إليه . وللكشميهني : من خرج . بلفظ الماضي ، وللحموي والمستملي : من يخرج بلفظ المضارع ، والأولى موافقة للفظ الحديث الآتي إن شاء الله تعالى في الغدوّ والرواح ، وأصل غدا : والأولى موافقة للفظ الحديث الآتي إن شاء الله في الغدوّ والرواح ، وأصل غدا : خرج بغدوة ، أي مبكرًا . وراح : رجع بعشي ، وقد يستعملان في الخروج مطلقًا توسعًا ، وتبين بالروايتين الأخيرتين أن المراد بالغدوّ الذهاب ، وبالرواح الرجوع . 662 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ » . وبالسند قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) بن جعفر المديني البصري ( قال : حدّثنا يزيد بن هارون ) بن زاذان الواسطي ( قال : أخبرنا محمد بن مطرف ) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء المشدّدة وبالفاء ، الليثي المدني ، وفي رواية ابن المطرّف : بالألف واللام ( عن زيد بن أسلم ) بفتح الهمزة واللام ، المدني ، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( عن عطاء بن يسار ) بفتح المثناة التحتية والسين المهملة ، الهلالي ، مولى أم المؤمنين ميمونة بنت الحرث ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) ( من غدا إلى المسجد وراح أعدّ الله ) أي هيّأ ( له نزله ) بضم النون والزاي مكانًا ينزله ( من الجنة ) وقد تسكن الزاي كعنق وعنق أو هيأ له ضيافته وللمستملي نزلاً بالتنكير ولابن عساكر في الجنة ( كلما غدا أو راح ) للطاعة . ورواة هذا الحديث الستة ما بين بصري وواسطي ومدني ، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول ورواية