أحمد بن محمد القسطلاني
326
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وفضل الصلاة عند الطهور بالليل والنهار ، وهي المناسبة لحديث الباب ، وفي بعض النسخ ، وهي رواية أبي الوقت : بعد الوضوء بدل قوله عند الطهور . 1149 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلاَلٍ عِنْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ : يَا بِلاَلُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلاَمِ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَىَّ فِي الْجَنَّةِ . قَالَ : مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلاَّ صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ " . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : دَفَّ نَعْلَيْكَ ، يَعْنِي تَحْرِيكَ . وبالسند قال : ( حدّثنا إسحاق بن نصر ) نسبة إلى جده . وإلا فهو : إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي المروزي . قال : ( حدّثنا أبو أسامة ) حماد بن أسامة ( عن أبي حيان ) بالمهملة المفتوحة والمثناة التحتية المشدّدة ، يحيى بن سعيد ( عن أبي زرعة ) هرم بن جرير البجلي ( عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ) : ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لبلال ) مؤذنه ( عند صلاة الفجر ) في الوقت الذي كان عليه الصلاة والسلام يقص فيه رؤياه . ويعبر ما رآه غيره من أصحابه : ( يا بلال ، حدّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام ) أرجى : على وزن : أفعل التفضيل المبني من المفعول وهو سماعي . مثل : أشغل وأعذر ، أي : أكثر مشغولية ومعذورية ، فالعمل ليس براجٍ للثواب ، وإنما هو مرجوّ الثواب ، وأضيف إلى العمل لأنه السبب الداعي إليه ، والمعنى : حدّثني بما أنت أرجى من نفسك به من أعمالك ( فإني سمعت ) أي الليلة ، كما في مسلم في : النوم ، لأنه لا يدخل أحد الجنة ، وإن كان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدخلها يقظة كما وقع له في المعراج إلا أن بلالاً لم يدخل . وقال التوربشتي : هذا شيء كوشف به ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، من عالم الغيب في نومه أو يقظته ، ونرى ذلك ، والله أعلم عبارة عن مسارعة بلال إلى العمل الموجب لتلك الفضيلة قبل ورود الأمر عليه ، وبلوغ الندب إليه ، وذلك من قبيل قول القائل لعبده : تسبقني إلى العمل ؟ أي تعمل قبل ورود أمري إليك ؟ انتهى . لكنه لما كان ما استنبطه موافقًا لمرضاة الله ورسوله أقره واستحمده عليه . ( دف نعليك ) بفتح الدال المهملة والفاء المشدّدة أي : صوت مشيك فيهما ( بين يدي في الجنة ) ظرف للسماع . ( قال : ما عملت عملاً أرجى عندي ) من ( أني ) بفتح الهمزة ، ومن المقدرة قبلها ، صلة لأفعل التفضيل ، وثبتت في رواية مسلم ، وللكشميهني : أن ، بنون خفيفة بدل أني ( لم أتطهر طهورًا ) زاد مسلم : تامًا ، والظاهر أنه لا مفهوم له ، أي : أتوضأ وضوءًا ( في ساعة ليل أو نهار ) بغير تنوين ساعة على الإضافة ، كما في بعض الأصول المقابل على اليونينية ، ورأيته بها كذلك ، وفي بعضها : ساعة ، بالتنوين وجر : ليل ، على البدل . وهو الذي ضبطه به الحافظ ابن حجر ، والعيني ، ولم يتعرض لضبطه البرماوي كالكرماني . ونكر ساعة لإفادة العموم فتجوز هذه الصلاة في الأوقات المكروهة . وعورض : بأن الأخذ بعموم هذا ليس بأولى من الأخذ بعموم النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة . وأجيب : بأنه ليس فيه ما يقتضي الفورية ، فيحمل على تأخير الصلاة قليلاً ليخرج وقت الكراهة ، ورُدّ بأنه في حديث بريدة ، عند الترمذي وابن خزيمة ، في نحو هذه القصة : ما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها . ولأحمد من حديثه : إلا توضأت وصليت ركعتين . فدلّ على أنه كان يعقب الحدث بالوضوء الوضوء بالصلاة في أي وقت كان . ( إلا صليت ) زاد الإسماعيلي : لربي ( بذلك الطهور ) بضم الطاء ( ما كتب لي أن أصلي ) أي : ما قدّر عليّ أعم من النوافل والفرائض ، ولأبي ذر : ما كتب إلي بتشديد الياء . وكتب على صيغة المجهول ، والجملة في موضع نصب ، و : أن أصلي ، في موضع رفع . قال ابن التين : إنما أعتقد بلال ذلك لأنه علم من النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أن الصلاة أفضل الأعمال . وأن عمل السر أفضل من عمل الجهر . قال في الفتح : والذي يظهر أن المراد بالأعمال التي سأله عن أرجاها ، الأعمال المتطوّع بها ، وإلا فالمفروض أفضل قطعًا . اه - . والحكمة في فضل الصلاة على هذا الوجه من وجهين : أحدهما : إن الصلاة عقب الطهور أقرب ، إلى اليقين منها إذا تباعدت لكثرة عوارض الحدث من حيث لا يشعر المكلف . ثانيهما : ظهور أثر الطهور باستعماله في استباحة الصلاة وإظهار آثار الأسباب مؤكد لها ومحقق . وتقدم بلال بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام في الجنة على عادته في اليقظة ، لا يستدعي أفضليته على العشرة المبشرة بالجنة ، بل هو سبق خدمة ، كما يسبق العبد سيده . وفيه إشارة بقائه على ما هو عليه في حال حياته واستمراره على قرب منزلته : وذلك منقبة