أحمد بن محمد القسطلاني

327

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

عظيمة لبلال . والظاهر أن هذا الثواب وقع بذلك العمل ، ولا معارضة بينه وبين ما في حديث : لن يدخل أحد الجنة بعمله ، لأن أصل الدخول إنما يقع برحمة الله تعالى ، واقتسام المنازل بحسب الأعمال . ( قال أبو عبد الله ) البخاري مفسرًا : ( دف نعليك ؟ يعني : تحريك ) نعليك ، يقال : دف الطائر إذا حرك جناحيه . وسقط قول أبي عبد الله هذا : إلى تحريك ، عند أبوي ذر ، والوقت والأصيلي . كذا في حاشية الفرع ، وفي أصله علامة السقوط ، أيضًا لابن عساكر . ورواة الحديث كوفيون إلا شيخه . وفيه : التحديث والعنعنة ، وأخرجه مسلم في : الفضائل ، والنسائي في : المناقب . 18 - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَةِ ( باب ما يكره من التشديد في العبادة ) خشية الملال المفضي إلى تركها ، فيكون كأنه رجع فيما بذله من نفسه وتطوّع به . 1150 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ : " دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا الْحَبْلُ ؟ قَالُوا : هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لاَ ، حُلُّوهُ ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ " . وبالسند قال : ( حدّثنا أبو معمر ) عبد الله بن عمرو المنقري ( قال : حدّثنا عبد الوارث ) بن سعيد التنوري ( عن عبد العزيز بن صهيب ) البناني ، ولأبوي ذر ، والوقت ، والأصيلي : حدّثنا عبد العزيز بن صهيب ( عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال ) : ( دخل النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) المسجد ( فإذا حبل ممدود بين الساريتين ) الأسطوانتين المعهودتين ( فقال ) : ( ما هذا الحبل ؟ قالوا ) أي : الحاضرون من الصحابة ، وللأصيلي : فقالوا ( هذا حبل لزينب ) بنت جحش أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، ( فإذا فترت ) بالفاء والفوقية والراء المفتوحات ، أي : كسلت عن القيام ( تعلقت ) به ( فقال النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لا ) يكون هذا الحبل ، أو : لا يمد أو : لا تفعلوه ، وسقطت هذه الكلمة عند مسلم ( حلوه ليصل أحدكم نشاطه ) بكسر لام : ليصل ، وفتح نون : نشاطه ، أي : ليصل أحدكم وقت نشاطه ، أو الصلاة التي نشط لها . وقال بعضهم : يعني ، ليصل الرجل عن كمال الإرادة والذوق ، فإنه في مناجاة ربه ، فلا تجوز له المناجاة عند الملال . انتهى . وللأصيلي : بنشاطه ، بزيادة الموحدة ، أوّله أي : متلبسًا به . ( فإذا فتر ) في أثناء القيام ( فليقعد ) ويتم صلاته قاعدًا ، أو : إذا فتر بعد فراغ بعض التسليمات فليقعد لإيقاع ما بقي من نوافله قاعدًا ، أو : إذا فتر بعد انقضاء البعض فليترك بقية النوافل جملة ، إلى أن يحدث له نشاط ، أو : إذا فتر بعد الدخول فيها فليقطعها ، خلافًا للمالكية حيث منعوا من قطع النافلة بعد التلبس بها . 1151 - قَالَ : وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ : " كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ، فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ قُلْتُ : فُلاَنَةُ ، لاَ تَنَامُ بِاللَّيْلِ - فَذُكِرَ مِنْ صَلاَتِهَا - فَقَالَ : مَهْ ، عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الأَعْمَالِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا " . ( قال : وقال عبد الله بن مسلمة ) القعنبي ( عن مالك ) قال الحافظ ابن حجر : كذا للأكثر ، وفي رواية الحموي والمستملي : حدّثنا عبد الله ، وكذا رويناه في الموطأ من رواية القعنبي . قال ابن عبد البر تفرد القعنبي بروايته عن مالك في الموطأ دون بقية رواته ، فإنهم اقتصروا على طرف منه مختصر . ( عن هشام بن عروة عن أبيه ) عروة بن الزبير ( عن عائشة ، رضي الله عنها ، ( قالت ) : ( كانت عندي امرأة من بني أسد ، فدخل عليّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقال ) : ( من هذه ؟ قلت ) وللأصيلي : فقلت : ( فلانة ) غير منصرف ، وهي : الحولاء بنت تويت ( لا تنام من الليل ) ولأبي ذر ، والأصيلي : لا تنام الليل ، بالنصب على الظرفية . قال عروة ( فذكر من صلاتها ) . بفاء العطف وضم الذال مبنيًا للمفعول ، وللمستملي : تذكر ، بفتح أوّله وضم ثالثه بلفظ المضارع ، وللحموي : يذكر بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول ، ويحتمل أن يكون على هاتين الروايتين من قول عائشة ، وعلى كل من الثلاثة تفسير لقولها : لا تنام الليل ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( مه ) بفتح الميم وسكون الهاء بمعنى : اكفف ( عليكم ) أي : الزموا ( ما ) ولأبي الوقت : بما ( تطيقون من الأعمال ) صلاة وغيرها ، ( فإن الله لا يمل حتى تملوا ) بفتح الميم فيهما . قال البيضاوي ، الملال فتور يعرض للنفس من كثرة مزاولة شيء ، فيورث الكلال في الفعل والإعراض عنه ، وأمثال ذلك على الحقيقة إنما تصدق في حق من يعتريه التغير والانكسار . فأما من تنزه عن ذلك فيستحيل تصوّر هذا المعنى في حقه . فإذا أسند إليه أوّل بما هو منتهاه وغاية معناه ، كإسناد الرحمة والغضب والحياء والضحك ، إلى الله تعالى . والمعنى ، والله أعلم ؛ اعملوا حسب وسعكم وطاقتكم ، فإن الله تعالى لا يعرض عنكم إعراض الملول ، ولا ينقص ثواب أعمالكم ما بقي لكم نشاط ، فإذا فترتم