أحمد بن محمد القسطلاني
32
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
بينهما مثناة تحتية ، الأنصاري المدني ( عن حفص بن عاصم ) هو ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، وهو جدّ عبيد الله المذكور ، لأبيه ، كما أنّ خبيبًا خاله ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : ) : ( سبعة ) من الناس ، ( يظلهم الله في ظله ) أي ظل عرشه ( يوم لا ظل ) في القيامة ودنو الشمس من الخلق ( إلاّ ظله ) أحدهم . ( الأمام ) الأعظم ( العادل ) التابع لأوامر الله ، فيضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط ، وقدّم على تاليه لعموم نفعه ، ويلتحق به من ولي شيئًا من أمور المسلمين فعدل فيه ، لحديث : إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا . ( و ) الثاني من السبعة ( شاب نشأ في عبادة ربه ) لأن عبادته أشق لغلبة شهوته وكثرة الدواعي لطاعة الهوى ، فلازمة العبادة حينئذٍ أشدّ وأدلّ على غلبة التقوى ، وفي الحديث يعجب ربك من شاب ليست له صبوة . ( و ) الثالث : ( رجل قلبه معلق ) بفتح اللام كالقنديل ( في المساجد ) من شدة حبه لها ، وإن كان جسده خارجًا عنها ، وكُنِّيَ به عن انتظار أوقات الصلوات ، فلا يصلّي صلاة في المسجد ويخرج منه إلا وهو ينتظر أخرى ليصلّيها فيه فهو ملازم للمسجد بقلبه وإن عرض لجسده عارض ، وبهذا تحصل المطابقة بين الحديث والترجمة . ولأبي ذر عن المستملي والحموي : متعلق بزيادة مثناة فوقية بعد الميم مع كسر اللام . ( و ) الرابع : ( رجلان تحابا في الله ) أي لأجله لا لغرض دنيوي ( اجتمعا عليه ) سواء كان اجتماعهما بأجسادهما حقيقة أم لا ، وللحموي والمستملي : اجتمعا على ذلك أي : على الحب في الله . كالضمير في قوله ( وتفرّقا عليه ) أي استمرا على محبتهما لأجله تعالى حتى فرّق بينهما الموت ، ولم يقطعاها لعارض دنيوي ، وتحابا بتشديد الموحدة . وأصله ، تحاببا . فلما اجتمع المثلان أسكن الأوّل منهما وأدغم في الثاني ، وليس التفاعل هنا كهو ، أي : أظهر الجهل من نفسه ، والمحبة من نفسه . بل المراد التلبس بالحب كقوله : باعدته فتباعد . فهو عبارة عن معنى حصل عن فعل متعدّ . وقع في رواية حماد بن زيد : ورجلان قال كل منهما للآخر : إني أحبك في الله فصدرا على ذلك . ( و ) الخامس : ( رجل طلبته ذات ) وفي رواية كريمة طلبته امرأة ذات ( منصب ) بكسر الصاد المهملة ، أصل أو شرف أو مال ( وجمال ) حسن للزنا ( فقال ) بلسانه زجرًا لها عن الفاحشة ، أو بقلبه زجرًا لنفسه : ( اني أخاف الله ) . زاد في رواية كريمة ربّ العالمين والصبر على الموصوفة ، بما ذكر من الأصل والشرف والمال والجمال المرغوب فيها عادة ، لعزّة ما جمع فيها من أكمل المراتب وأكمل المناصب ، لا سيما وقد أغنت عن مشاق التوصّل إليها بمراودة ونحوها ، وهي رتبة صدّيقية ، ووراثة نبوية . ( و ) السادس : ( رجل تصدّق ) تطوعًا حال كونه قد ( أخفى ) الصدقة ، ولأحمد : تصدق فأخفى . وللمؤلّف ، في الزكاة ، كمالك : فأخفاها . فحمل على أن راوي الأوّل حذف العاطف . وللأصيلي : تصدّق . إخفاء بكسر الهمزة والمدّ أي صدقة إخفاء . فنصب بمصدر محذوف ، أو حالاً من الفاعل ، أي مخفيًّا . قال البدر على تأويل المصدر باسم الفاعل جعل كأنه نفس الإخفاء مبالغة ( حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) جملة في موضع نصب بتعلم ذكرت للمبالغة في إخفاء الصدقة والإسرار بها . وضرب المثل بهما لقربهما وملازمتهما . أي لو قدّر أن الشمال رجل متيقظ لما علم صدقة اليمين للمبالغة في الإخفاء فهو من مجاز التشبيه أو من مجاز الحذف ، أي حتى لا يعلم ملك شماله أو حتى لا يعلم من على شماله من الناس ، أو هو من باب تسمية الكل بالجزء ، فالمراد بشماله نفسه ، أي أن نفسه لا تعلم ما تنفق يمينه . ووقع في مسلم : حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله ، ولا يخفى أن الصواب ما في البخاري ، لأن السُّنَّة المعهودة إعطاء الصدقة باليمين لا بالشمال ، والوهم فيه من أحد رواته ، وفي تعيينه خلاف . وهذا يسميه أهل الصناعة : المقلوب . ويكون في المتن والإسناد . ( و ) السابع : ( رجل ذكر الله ) بلسانه أو بقلبه حال كونه ( خاليًا ) من الخلق لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء ، أو خاليًا من الالتفات إلى غير المذكور تعالى ، وإن كان