أحمد بن محمد القسطلاني
315
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
بن عمرو بن العاص ، رضي الله عنهما ، أخبره أن رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قال له ) أي : لابن عمرو : ( أحب الصلاة ) أي : أكثر ما يكون محبوبًا ( إلى الله صلاة داود عليه السلام ، وأحب الصيام ) أي : أحب ، بمعنى محبوبًا ( إلى الله ، صيام ) وفي رواية : وأحب الصوم إلى الله صوم ( داود ) . واستعمال : أحب ، بمعنى : محبوب قليل ، لأن الأكثر في أفعل التفضيل أن يكون بمعنى الفاعل ، ونسبة المحبة فيهما إلى الله تعالى على معنى إرادة الخير لفاعلهما . ( وكان ) داود ، عليه الصلاة والسلام ، ( ينام نصف الليل ويقوم ثلثه ) في الوقت الذي ينادي فيه الرب تعالى : هل من سائل ؟ هل من مستغفر ؟ ( وينام سدسه ) ليستريح من نصب القيام في بقية الليل . وإنما كان هذا أحب إلى الله تعالى ، لأنه أخذ بالرفق على النفوس التي يخشى منها السآمة التي هي سبب إلى ترك العبادة ، والله تعالى يحب أن يوالي فضله ، ويديم إحسانه ، قاله الكرماني . وإنما كان ذلك أرفق ، لأن النوم بعد القيام يريح البدن ، ويذهب ضرر السهر ، وذبول الجسم ، بخلاف السهر إلى الصباح ، وفيه من المصلحة أيضًا استقبال صلاة الصبح وأذكار النهار بنشاط وإقبال ، ولأنه أقرب إلى عدم الرياء ، لأن من نام السدس الأخير أصبح ظاهر اللون ، سليم القوى ، فهو أقرب إلى أن يخفى عمله الماضي على من يراه ، أشار إليه ابن دقيق العيد . ( ويصوم يومًا ويفطر يومًا ) وقال ابن المنير : كان داود عليه الصلاة والسلام يقسم ليله ونهاره لحق ربه وحق نفسه ، فأما الليل فاستقام له ذلك في كل ليلة ، وأما النهار فلما تعذر عليه أن يجزئه بالصيام لأنه لا يتبعض ، جعل عوضًا من ذلك أن يصوم يومًا ويفطر يومًا ، فيتنزل ذلك منزلة التجزئة في شخص اليوم . ورواة هذا الحديث مكيُّون إلاّ شيخ المؤلّف فمدني ، وفيه : رواية تابعي عن تابعي عن صحابي ، والتحديث والإخبار ، وأخرجه أيضًا في : أحاديث الأنبياء . ومسلم في : الصوم ، وكذا أبو داود وابن ماجة والنسائي فيه ، وفي الصلاة أيضًا . 1132 - حَدَّثَنِي عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَشْعَثَ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ " سَأَلْتُ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - : أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَتِ : الدَّائِمُ قُلْتُ : مَتَى كَانَ يَقُومُ ؟ قَالَتْ : يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ " . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنِ الأَشْعَثِ قَالَ : " إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ فَصَلَّى " . [ الحديث 1132 - طرفاه في : 6461 ، 6462 ] . وبه قال : ( حدّثني ) بالإفراد ، ولأبي ذر ، والوقت ، والأصيلي : حدّثنا ( عبدان ) هو : لقب عبد الله ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( أبي ) عثمان بن جبلة ، بفتح الجيم والموحدة الأزدي العتكي ( عن شعبة ) بن الحجاج ( عن أشعث ) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة آخره مثلثة ( قال : سمعت أبي ) أبا الشعثاء ، سليم بن أسود المحاربي ( قال : سمعت مسروقًا ) هو : ابن الأجدع ( قال ) : ( سألت عائشة رضي الله عنها : أي العمل كان أحب إلى النبي ) ولأبي ذر ، والأصيلي : إلى رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قالت ) هو ( الدائم ) الذي يستمر عليه عامله ، والمراد بالدوام العرفي لا شمول الأزمنة ، لأنه متعذر . قال مسروق : ( قلت ) لعائشة ( متى كان يقوم ) عليه الصلاة والسلام ؟ . ( قالت : يقوم ) فيصلّي ، ولأبي ذر ، قالت : كان يقوم ( إذا سمع الصارخ ) وهو الديك لأنه يكثر الصياح في الليل . قال ابن ناصر : وأول ما يصيح نصف الليل غالبًا ، وهذا موافق لقول ابن عباس : نصف الليل ، أو قبله بقليل أو بعده بقليل . وقال ابن بطال : يصرخ عند ثلث الليل . وروى الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجة عن زيد بن خالد الجهني : أن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قال : " لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة " . وإسناده جيد . وفي لفظ : فإنه يدعو إلى الصلاة . وليس المراد أن يقول بصراخه حقيقة الصلاة ، بل العادة جرت أنه يصرخ صرخات متتابعة عند طلوع الفجر وعند الزوال ، فطرة فطره الله عليها ، فيذكر الناس بصراخه الصلاة . وفي معجم الطبراني ، عن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قال : " إن لله ديكًا أبيض ، جناحاه مُوشيان بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ ، جناح بالمشرق وجناح بالمغرب ، رأسه تحت العرش ، وقوائمه في الهواء ، يؤذن في كل سحر ، فيسمع تلك الصيحة أهل السماوات والأرضين إلا الثقلين : الجن والإنس ، فعند ذلك تجيبه ديوك الأرض ، فإذا دنا يوم القيامة قال الله تعالى : ضم جناحيك وغض صوتك ، فيعلم أهل السماوات والأرض إلاّ الثقلين أن الساعة قد اقتربت " . وعند الطبراني ، والبيهقي في الشعب ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر : أن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قال : " إن لله ديكًا ، رجلاه في التخوم ، وعنقه تحت العرش مطوية ، فإذا كان هنية من الليل صاح :