أحمد بن محمد القسطلاني

307

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

فإن كنت يقظى تحدث معي ، وإن كنت نائمة اضطجع ) للراحة من تعب القيام . والشرط مع الجزاء جواب الشرط الأول ، ولا منافاة بين قول عائشة : كان يصلّي جالسًا ، وبين نفي حفصة المروي في الترمذي : ما رأيته صلّى في سبحته قاعدًا حتى قبل وفاته بعام ، فكان يصلّي في سبحته قاعدًا لأن قول عائشة : كان يصلّي جالسًا لا يلزم منه أن يكون صلّى جالسًا قبل وفاته بأكثر من عام ، لأن كان لا تقتضي الدوام ، بل ولا التكرار على أحد القولين عند أهل الأصول . ولئن سلمنا أنه صلّى قبل وفاته بأكثر من عام جالسًا فلا تنافي ، لأنها إنما نفت رؤيتها ، لأن وقوع ذلك في الجملة . قال في الفتح : ودل حديث عائشة على جواز القعود في أثناء صلاة النافلة لمن افتتحها قائمًا ، كما يباح له أن يفتتحها قاعدًا ثم يقوم ، إذ لا فرق بين الحالتين ، ولا سيما مع وقوع ذلك منه ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الركعة الثانية ، خلافًا لمن أبى ذلك . واستدل به على أن من افتتح صلاته مضطجعًا ثم استطاع الجلوس أو القيام أتمها على ما أدت إليه حاله . بسم الله الرحمن الرحيم 19 - كتاب التهجد ( بسم الله الرحمن الرحيم ) كذا بإثباتها في غير رواية أبي ذر . 1 - باب التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ ، وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ } ( باب التهجد ) أي : الصلاة ( بالليل ) وأصله ترك الهجود ، وهو النوم . قال ابن فارس : المتهجد : المصلي ليلاً . وللكشميهني : من الليل ، وهو أوفق للفظ القرآن ، ( وقوله عز وجل ) بالجر ، عطفًا على سابقه المجرور بالإضافة ، وبالرفع على الاستئناف : ( { ومن الليل } ) أي : بعضه ( { فتهجد به } ) أي : اترك الهجود للصلاة : كالتأثم والتحرج ، والضمير للقرآن ( { نافلة لك } ) [ الإسراء : 79 ] . فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة ، خصصت بها من بين أمتك . روى الطبراني بإسناد ضعيف ، عن ابن عباس : أن النافلة للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاصة لأنه أمر بقيام الليل ، وكتب عليه دون أمته . لكن صحّح النووي أنه نسخ عنه التهجد ، كما نسخ عن أمته قال : ونقله الشيخ أبو حامد عن النص ، وهو الأصح ، والصحيح . ففي مسلم عن عائشة ما يدل عليه . أو فضيلة لك ، فإنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وحينئذ فلم يكن فعل ذلك يكفر شيئًا . وترجع التكاليف كلها في حقه عليه الصلاة والسلام قرة عين وإلهام طبع ، وتكون صلاته في الدنيا مثل تسبيح أهل الجنة في الجنة ، ليس على وجه الكلفة ، ولا التكليف وهذا كله مفرع على طريقة إمام الحرمين . وأما طريقة القاضي حيث يقول : لو أوجب الله شيئًا لوجب ، وإن لم يكن وعيد ، فلا يمتنع حينئذ بقاء التكاليف في حقه ، عليه الصلاة والسلام ، على ما كانت عليه ، مع طمأنينته ، عليه الصلاة والسلام . من ناحية الوعيد ، وعلى كلا التقديرين فهو معصوم ، ولا عتب ولا ذنب . لا يقال : إنه لم يأمره أن يستغفر في قوله تعالى : { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ } [ النصر : 3 ] . ونحوه إلا مما يغفره له ، لأنا نقول استغفاره تعبد على الفرض ، والتقدير ، أي : أستغفرك مما عساه أن يقع لولا عصمتك إياي . وزاد أبو ذر في رواية تفسير قوله تعالى : { فتهجد به } أي : اسهر به . 1120 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ : " كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ ، وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَوْ لاَ إِلَهَ غَيْرُكَ " . قَالَ سُفْيَانُ : وَزَادَ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ « وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ » . قَالَ سُفْيَانُ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ سَمِعَهُ مِنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . [ الحديث 1120 - أطرافه في : 6317 ، 7385 ، 7442 ، 7499 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) المديني ( قال : حدّثنا سفيان ) بن عيينة ( قال : حدّثنا سليمان بن أبي مسلم ) المكي الأحول ( عن طاوس ) هو ابن كيسان أنه ( سمع ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال ) : ( كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، إذا قام من الليل ) حال كونه ( يتهجد ) أي : من جوف الليل ، كما في رواية مالك ، عن أبي الزبير ، عن عائشة ( قال ) في موضع نصب خبر كان أي : كان عليه الصلاة والسلام ، عند قيامه من الليل متهجدًا يقول . وقال الطيبي : الظاهر أن قال ، جواب إذا ، والجملة الشرطية خبر كان . ( اللهم لك الحمد ، أنت قيم السنوات والأرض ومن فيهن ) وفي رواية أبي الزبير المذكورة ، قيام بالألف ، ومعناه : والسابق والقيوم ، معنى واحد . وقيل : القيم : معناه القائم بأمور الخلق ، ومدبرهم ، ومدبر العالم في جميع أحواله ، ومنه قيم الطفل . والقيوم : هو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره ، ويقوم به كل موجود ، حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به . قال التوربشتي : والمعنى : أنت الذي تقوم بحفظها ، وحفظ من أحاطت به ، واشتملت عليه ، تؤتي كلامًا به قوامه ، وتقوم على كل شيء من خلقك بما تراه من تدبيرك ، وعبّر بقوله :